دبلوماسية المياه وأزمة سد النهضة

ربما يكون الإعلان عن فوز رئيس الوزراء الأثيوبي أبيي أحمد بجائزة نوبل للسلام لعام 2019 فاتحة خير لاستقرار القرن الأفريقي ودول حوض النيل. ثمة تغيرات وتحولات راديكالية شهدها القرن عبر الفترة الزمنية القصيرة التي تولى فيها الرجل مهام الحكم منذ أبريل 2018. وبالعودة إلى الوراء قليلا نجد أنه إذا كان ميليس زناوي يعد وبحق مهندس دبلوماسية السدود الإثيوبية وعلى رأسها سد النهضة بما يحقق ‏الاستغلال الأمثل لموارد الدولية ‏المائية وتحقيق تنميتها المستدامة إلا أنه لم يستطع أن يتخلص من تراث ‏انتماءاته التيغرانية واستخدام سياسة العصا الغليظة في مواجهة ‏صوت المعارضة أيا كان مصدرها. “لا ‏صوت يعلو على صوت المعركة‎ ” ‎كان شعار مرحلة القدوم الثاني لإثيوبيا في ظل الزعامة ‏الأوليجاركية ‏لرئيس الوزراء الراحل ميليس زناوي. ومن المعروف أن تبعات مثل هذه السياسات الاقصائية تكون على ‏المدى المتوسط ‏والبعيد كارثية على الصعيدين الداخلي والإقليمي. ولعل‎ ‎من بين الأمثلة الدالة على ذلك ‏الحرب العبثية مع إرتريا 1998-2000 والتي ‏راح ضحيتها نحو مئة ألف أو يزيد ، والتدخل غير المحسوب ‏في الصومال عام 2006 الذي أسهم ولو من طرف خفي في صعود نجم ‏الشباب المجاهدين، بالإضافة إلى ‏تبني سياسة عدائية تجاه مصر التي واجهت تحديات أمنية ضخمة في مرحلة ما بعد مبارك‎.‎

جاء‎ ‎الدكتور أبيي أحمد ليكمل مشروع النهضة الإثيوبي بعد تجميله في الداخل والخارج سواء بسواء .ففي ‏الداخل أفرج عن السجناء ‏السياسيين واعتبرهم شركاء في العملية السياسية وأغلق السجون ورفع حالة ‏الطوارئ . تجول الرجل في عواصم الأقاليم واستمع ‏للناس في أوروميا، كما ذهب إلى عاصمة التيغراى ‏وخاطب الحشد هناك بلغتهم التي يجيدها لتصل إليهم رسالته واضحة غير ‏منقوصة. وعلى المستوى ‏الخارجي رأي أنه من غير الحكمة أن تستمر حالة اللاحرب واللاسلم مع إرتريا فقرر القبول بمقررات لجنة ‏‏ترسيم الحدود التي أقرها اتفاق الجزائر عام 2000 والتي رفضت الحكومات الإثيوبية المتعاقبة القبول ‏بمقرراتها‏. على أن اللافت ‏للانتباه هنا في الفكر الجديد للقيادة الإثيوبية في انطلاقها نحو الاقليم الكبير هو ‏تبني دبلوماسية “الموانئ البحرية” لتوفر بدائل استراتيجية ‏مهمة أمام صانع القرار الإثيوبي وترفع عنه ‏عبء الاعتماد كليا على ميناء جيبوتي‎‎.‎

لقد عززت الإصلاحات الداخلية التي قام بها أبيي وتوقيع اتفاق السلام مع إريتريا الآمال بأن عقوداً من عدم ‏الاستقرار الإقليمي قد تفسح المجال لعهد جديد من السلام والتنمية في كل من القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ‏كانت السياسة الخارجية الإثيوبية منذ أواخر التسعينات، مدفوعة، جزئيا على الأقل، بدافع احتواء التوترات ‏في بيئة صراعية تشمل مصر وإريتريا والصومال وعدد من الدول العربية الأخرى. سعى أبيي إلى طي ‏الصفحة عبر منطقة القرن الإفريقي والشرق الأوسط في محاولة لتكرار اصلاحاته المحلية. فهل تمتد مسيرته الإصلاحية لتشمل تسوية النزاع المائي مع مصر حول سد النهضة واتفاقية عنتيبي.

 يبدو أن توتر العلاقات بين مصر وأثيوبيا عقب انسداد أفق التوصل لتسوية مقبولة حول قواعد ملْء وتشغيل السد قد أعادت إلى الأذان مسألة حروب المياه وإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري لحماية المصالح المائية للطرفين. لقد ساد اعتقاد واضح منذ التسعينيات بأن “حروب القرن القادم ستكون حول المياه”. غير أن الواقع يثبت عكس ذلك تماما حيث إن تنبؤات الحروب بين الأمم على المياه لم تتحقق. ومع ذلك يزداد القلق بشأن “حروب المياه” بشكل كبير بسبب تغير المناخ واستمرار النمو السكاني وتلوث الممرات المائية وهو ما يشكل خطورة على هذا المصدر الذي لا يمكن تعويضه.

وضع الباحثون فكرة “حروب المياه” على المحك وأخضعوها للدراسة التجريبية. ففي تسعينيات القرن الماضي تم اجراء دراسة على 263 حوضً مائيً دولي حيث اتضح أن الدول المشاطئة من المرجح أن تتعاون في مجال استغلال المياه المشتركة أكثر من اتجاهها نحو التصعيد واستخدام القوة العسكرية. إن الحروب – كما يخبرنا التاريخ- نادراً ما تدور رحاها على المياه. على أن التفاعلات المائية السياسية سوف ترتبط ارتباطا وثيقا في المستقبل بمدى توافر المياه، والكثافة السكانية، واختلالات الطاقة الكهرومائية، والضغوط المناخية. وطبقا لهذه العوامل تشير الدراسات إلى خمسة أنهار “ساخنة” حيث ستزيد الظروف الديموغرافية والمناخية من “المخاطر المائية السياسية” في أحواض هذه الأنهار. وتتمثل هذه الأحواض في: نهر النيل ، ونهر الجانج ، ونهر السند ، ونهري دجلة والفرات، و نهر كولورادو.

يعد مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، كما أنه سوف يؤدي إلى تغيير بنية الاقتصاد الإثيوبي، وربما إحداث ثورة في القطاع الزراعي السوداني وفقا لحسابات المتفائلين من أبناء السودان .بيد أن الوضع  في مصر ،التي يعيش نحو 95 في المائة من أهلها على شواطئ النيل أو على طول دلتاها ، يأخذ منحى آخر حيث يرى الكثيرون أن سد النهضة  يمثل تهديدا أساسيا لأسلوب حياتهم ، وعليه فإنه يعبر عن قضية وجودية.  وبينما تستعد إثيوبيا لتشغيل السد وتحويل مياه النيل لملء خزانها الضخم، نجد أن النزاع بين مصر وأثيوبيا قد وصل إلى نقطة فاصلة تقتضى حدوث اختراقات كبرى للتوصل إلى نتيجة مرضية تدعم مسيرة التكامل بين دول حوض النيل الشرقي.

ولعل ما يزيد الأمر تعقيدا هو أن النزاع حول سد النهضة لا ينفصل عن “لعبة الأمم” في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر: ثمة أطراف دولية فاعلة مثل الصين والولايات المتحدة والصين وأطراف إقليمية مثل تركيا وإيران وإسرائيل ودول الخليج وجميعهم يتنافسون على النفوذ والسيطرة. ثمة سباق حول القواعد العسكرية والبحرية والحصول على الأراضي الزراعية. في بعض الحالات، ساعد نفوذ وموارد دول الخليج إلى تدعيم جهود استقرار القرن الأفريقي: فاتفاقية السلام التاريخية التي تم التوصل إليها في يوليو 2018 والتي أنهت حالة الحرب المستمرة منذ عقدين بين إثيوبيا وإريتريا قد تم تسهيلها من خلال جهود الوساطة التي بذلتها دولة الإمارات العربية المتحدة. بيد أنه في حالات أخرى، أثرت عمليات الاستقطاب وإعادة خريطة التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط سلبا على النزاعات الجيوسياسية المريرة في منطقة البحر الأحمر.

لا شك أن مصر تشعر بالقلق الشديد على أمنها المائي ولاسيما أن سد النهضة يمكن أن يكون واحدا من بين العديد من مشاريع السدود الأخرى على النيل. وعلى أية حال يمكن القول من خلال دبلوماسية المياه أن التسوية قابلة للتحقيق. قد تكون هناك مقايضات، لكن بالتأكيد هناك ما يكفي من المياه للجميع. ومن مصلحة مصر التوصل إلى اتفاق قريبً ، لأن إثيوبيا تمضي قدمًا في إتمام المشروع  في ظل عدم وجود رادع فعال. يمكن تقليل حجم المخاطر الناجمة عن بناء سد النهضة بالنسبة لمصر ولاسيما في مجال توفر المياه ‏وتوليد الطاقة من خلال: 1- الاتفاق على كميات معينة لتدفق المياه سنويا من سد النهضة، 2- انتهاج ‏سياسة لإدارة الجفاف عند سد أسوان العالي، 3- توقيع اتفاقية تعاونية بين دول الحوض تحمي ارتفاع ‏منسوب المياه في بحيرة ناصر.  ‏إن قضية سد النهضة ليست مباراة صفرية وانما يمكن النظر إليها في اطار منظومة تكاملية تشمل الدول الثلاثة مصر والسودان وأثيوبيا. إننا ضد الخطاب التصعيدي الذي يساهم في دق طبول الحرب والحديث عن حروب المياه. وبالمثل نرفض كذلك خطاب الكراهية والتحريض ضد مصر الذي يتبناه بعض الكتاب والمسئولين في دول أعالي النيل. علينا جميعاً أن نعلي من قيم الحوار والتسامح بما يعزز المصالح والمنافع المشتركة لشعوب حوض النيل. ولنتذكر قول الامام علي كرم الله وجهه حينما يقول: يا مالك إن الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.

عن د. حمدي عبدالرحمن

د حمدي عبدالرحمن حسن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، نائب رئيس الجمعية الإفريقية للعلوم السياسية 2001 - 2003، مؤسس ومدير برنامج الدراسات المصرية الافريقية بجامعة القاهرة 2002 - 2000.

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x