الفشقة السودانية وأزمتها الحدودية مع إثيوبيا

من المشكلات التي تعاني منها معظم الدول الأفريقية، منذ خروج الاحتلال الأوروبي أو الغربي لها، أزمة الحدود وترسيمها بين الدول، ولعل هذه الدول المحتلة كانت قاصدة من ترك هذه المشكلة وراءها، قد ورث السودان مشكلات حدودية مع جيرانه أبرزها النزاع الحدودي مع مصر في منطقة حلايب، ومع إثيوبيا في منطقة الفشقة، موضوع المقال.

ورغم أن الحدود قد وضحت معالمها بين الدولتين إلا أن إثيوبيا بصورة غير مباشرة ، لا تقر بأن الاتفاقية المتعلقة جعلت الفشقة تحت سيادة دولة السودان، فتغض الطرف عن الأعمال التخريبية التي تقوم بها بعض القبائل الإثيوبية كالأمهرا في التعدي على الحدود السودانية.

 

جذور الأزمة

تعود جذور الأزمة لعقود بعيدة، حيث أن تاريخ  الخلاف على منطقة (الفشقة) يرجع للقرن التاسع عشر، والذي كان قد انتهى إلى حل قانوني دبلوماسي بتوقيع معاهدة أديس أبابا في مايو 1902 حيث تم بمقتضاها ترسيم الحدود الشرقية للسودان مع إثيوبيا مما أدى إلى حدوث استقرار مؤقت سرعان ما تجدد بعده الخلاف من جديد عندما قامت مجموعة من المزارعين الإثيوبيين بتجاوز حدود بلادهم  والدخول إلى الأراضي السودانية والقيام بزراعة المنطقة الحدودية المعروفة بخصوبتها والتابعة للسودان مما أعاد الوضع لنقطة الخلاف القديمة. وكان التصعيد الأكبر في الخلاف حول هذه المنطقة بين الطرفين السوداني والإثيوبي في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل حسني مبارك عام 1993 حينما قامت إثيوبيا بالسيطرة على المنطقة مجددا.

 

موقع الفشقة ومميزاتها

الفشقة السودانية هي المنطقة المتاخمة للحدود المشتركة بين السودان وأثيوبيا، والتي تحد شمالاً بنهر ستيت وشرقاً بنهر عطبرة، و يقصد بالفشقة الأراضي التي تقع بين عوازل طبيعية (مائية) كالأنهار والخيران والمجاري.وتبلغ مساحتها 251 كلم2 . وتنقسم الفشقة إلى قسمين الفشقة الكبرى: وتحد شمالاً بنهر ستيت وجنوباً ببحر باسلام وغرباً بنهر عطبرة.. والفشقة الصغرى: وهي المنطقة التي تحد شمالاً ببحر باسلام وغرباً بنهر عطبرة وشرقاً بالحدود المشتركة بين السودان وأثيوبيا ، وتتخللها العديد من الجبال والخيران ،والمنطقة محاطة بالأنهار داخل الأراضي السودانية من كل الجوانب باستثناء خط الحدود المشترك مع أثيوبيا ، وهذا مايفرض عليها العزلة التامة عن الأراضي السودانية المتاخمة لها خلال موسم فيضان هذه الأنهار ، هذا فضلاً عن كونها تتميز بهطول الأمطار الغزيرة في فصل الخريف. فيما يميز موقعها هذا إغراء للإثيوبيين للاعتداء عليها متى ما شاءوا إذ لا يقف أمامهم أي مانع أو عازل يحول بينهم وبين الاستفادة من هذه الأراضي الخصبة ، فهي أراضي متاخمة تماماً للأراضي الإثيوبية . كذلك تتميز بإنتاجها الكثيف للسمسم والذرة والقطن قصير التيلة بجانب الصمغ العربي والخضروات والفواكه على ضفاف الأنهر الثلاثة عطبرة ، ستيت ، باسلام . و تم توضيح الحدود على الطبيعة لتكون معلماً طبيعياً بين السودان وإثيوبيا في تلك المنطقة ، من علامة الحدود الواقعة في الضفة اليمنى من خور القاش جنوب جبل قالا ثم إلى جبل أبو قمل ثم تلال البرك ، حيث وضعت علامة حدود في وسط صخرة ثم إلى جبل كورتيب ثم إلى جزع شجرة وسط حجارة وصخور ثم إلى جبل ثوار ، وبالقرب من شجرة هجليج وضعت صورة من اتفاقية الحدود لسنة 1903م وعلامة ،وكذلك وضعت علامة للحدود وصورة من اتفاقية سنة 1903م في صخرة عالية في الضفة اليمنى من نهر ستيت حيث يتقاطع خور الرويان مع نهر ستيت.

 

الخلافات الحدودية:

اعترفت أثيوبيا اعترافاً قانونياً في اتفاقية الحدود لعام 1902م وبروتوكول الحدود لسنة 1903م ، واتفاقية عام 1972م بأن منطقة الفشقة أرض داخل الحدود السودانية.

ورغم الاتفاق إلا أن التأخير في رسم جميع العلامات الحدودية جعل الأمر غير محسوم، ولم تتوقف المفاوضات بين البلدين من أجل التوصل لحل نهائي للنزاع الحدودي على المنطقة طوال العقود الماضية، لكن التصعيد الأكبر الذي شهدته المنطقة، حين استغل الجيش الإثيوبي «محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك والتي اتهمت بها الحكومة السودانية»، وسيطرت على المنطقة مجدداً عام 1993. وتعترف إثيوبيا الرسمية بتبعية المنطقة الزراعية للسودان، لكنها لم تتخذ خطوات عملية لترسيم الحدود، فسمحت للمزارعين الإثيوبيين بزراعة المنطقة ووفرت لهم الحماية، ومعظمهم من عرقية أمهرا المحادية للسودان، ويزيد الأمر تعقيداً بسبب النزاعات الحالية بين القوميات الإثيوبية.

 

عصابات الشفتة

تنشط في منطقة الفشقة التابعة لولاية القضارف السودانية ميليشيا إثيوبيا تدعى الشفتة، وهو مصطلح يطلق على العصابات الاثيوبية التي تتخذ من السلب والنهب مهنة لها وتعيش عليها، ومعروف عنها وحشيتها ودمويتها الشديدة.

حيث تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة، التي تنقسم إلى 3 مناطق وهي الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى والمنطقة الجنوبية. وتقوم هذه العصابات الإثيوبية بجمع أعيان القرى السودانية الحدودية في الفشقة،  ويتم تحذيرهم من زراعة مشروعات محددة في القرية، وفي حال مخالفة أي شخص للتحذيرات، يتم خطفه والمطالبة بفدية أو قتله، كما تُصادر المحاصيل أو تحرق ويتم هدم المنازل، فيما يضطر الباقون إلى الهجرة من القرى ليستوطن مكانهم إثيوبيون يحظون بدعم من الحكومة الإثيوبية.

هذا الأمر أدى بالجيش السوداني إلى اتخاذ قرار بالانتشار لوحداته في منطقة الفشقة، بل وصل به إلى إصدار بيان في 25/مايو الماضي اتهم فيه الجيش الإثيوبي بمساندة الميليشيا والمشاركة في الاشتباكات. وقال البيان “درجت الميليشيات الإثيوبية، بإسناد من الجيش الإثيوبي، على تكرار الاعتداء على الأراضي والموارد السودانية”، موضحا أن قوة من الجيش الإثيوبي تقدر بسرية مشاة وصلت الضفة الشرقية لنهر عطبرة صباح الخميس واشتبكت مع قواتنا غرب النهر”.

 

زيارة رئيس مجلس السيادة

في 8 أبريل من العام الجاري 2020، قام رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان بصحبة ضباط هيئة العمليات ومدير الاستخبارات العسكرية بزيارة الفشقة، وسط تصاعد التوترات في المنطقة بعد احتشاد القوات العسكرية الإثيوپية بمحاذاة الفشقة. كان الجيش الإثيوپي قد توغل في منطقة شرق سندس بالفشقة بمساحة تقدر بـ55 ألف فدان، وهي عبارة عن مشروعات زراعية تخص مزارعين سودانيين بالقضارف.

ومن أمام مقر الفرقه الثانية مشاة قال البرهان بصورة مقتضبة وربما غاضبة وحاسمة أن الحدود السودانية خط أحمر و لا تراجع عن حماية حدودنا ولن نسمح بالتعدي على أراضينا ، بهذه العبارات الحاسمة أراد البرهان إرسال رسائل في أكثر من بريد سيما وأن حشود عسكرية من الجيش الفدرالي الإثيوبي انتشرت بالقرب من تخوم حدود السودان مع شكاوي مزارعي وأهالي الفشقة السودانية من تعديات عصابة الشفته الإثيوبية والتي ظلت خلال الأعوام الماضية تقوم باعتداءات وصفت بالممنهجة على المزارعين السودانيين وتسلب أراضيهم وتقتل بعضهم وربما أراد البرهان بزيارته التأكيد على حماية مواطنيه من مثل هذه التعديات.

 

تطور الأحداث الأخيرة

في 28 مايو 2020، شهدت ولاية القضارف توترات جديدة بعد تسلل مليشيات إثيوپية للحدود، واعتدائها على المشاريع الزراعية بمنطقة بركة نوريت وقرية الفرسان، ومنطقة الفشقة. كما اشتبكت مع قوة عسكرية سودانية في معسكر بركة نورين، بحسب وكالة الأنباء السودانية، ما أدى إلى مقتل نقيب في الجيش السوداني وطفلة، إلى جانب جرح عدد من العسكريين والمدنيين .

رداً على ذلك، استدعت السودان السفير الإثيوپي بالخرطوم، وأبلغته إدانة ورفض الحكومة السودانية لهذا الاعتداء الآثم الذي يأتي في وقت كانت الاستعدادات تجري في الخرطوم لعقد الاجتماع الثاني للجنة المشتركة رفيعة المستوى لقضايا الحدود التي يرأسها من الجانب السوداني وزير رئاسة مجلس الوزراء ومن الجانب الإثيوپي نائب رئيس الوزراء. كما طالب باتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف مثل هذه الاعتداءات، ونبّه إلى أن استدامة وتطوير التعاون بين البلدين لابد أن يبنى على الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال وحدود كلٍ منهما وحق شعبيهما في العيش في أمانٍ وسلام، واستخدام مواردهما الطبيعية والاقتصادية دون تغول أو اعتداء من أي طرف على الآخر.

وربط بعض المراقبين بين التوتر الحدودي الأخير في الفشقة، وأزمة سد النهضة، حيث بدأت الخرطوم تتخذ موقفا يميل ناحية القاهرة منه لأديس أبابا، وكأن الأخيرة تريد أن تمارس ضغطا على السودان ورهن تقديم تنازلات في الملف الحدودي بانحياز الخرطوم إلى إثيوبيا في أزمة سد النهضة.

بالرغم من وضوح موقف حكومة السودان، حيث أوردت بعض المصادر السودانية لصحيفة العرب أن الخرطوم لا تساوم على مواقفها الوطنية وترفض الربط بين الملفين، وما يحكم موقفها هو المصالح العليا في الملفين، بعيدا عن تقديرات القاهرة أو أديس أبابا، فعندما يضجر السودان بالخروقات العسكرية أو يعدّل موقفه في سد النهضة، في الحالتين ينطلق من حسابات وطنية ولا علاقة له بأي تطورات إقليمية.

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية بمركز الدراسات الدولية بالخرطوم الرشيد محمد إبراهيم  -نقلا من صحيفة العرب- على أن التطورات في ملف الحدود وثيقة الصلة بإدارة المسار التفاوضي لسد النهضة، والفترة الماضية شهدت حشدا إثيوبيا لمنظومة الصواريخ الدفاعية الروسية حول السد وداخل مناطق عديدة قد تشكل تهديدا أو ثغرة لاستهدافه، في ظل وجود هواجس إثيوبية بأن الخرطوم والقاهرة قد تقومان بعمل عسكري مشترك ضدها، وتستخدم هذه المنطقة في ذلك.

ويضيف أن الموقف السوداني الأخير من المسائل الفنية المتعلقة بملء خزان سد النهضة أغضب إثيوبيا التي تقوم باستباق الأحداث عبر إثارة مشكلات أمنية على الحدود وإرسال إشارات في جميع الاتجاهات تفيد بأن لديها خيبة أمل من المكون المدني في السلطة الانتقالية بالسودان، وتعتبر أنه لم يرد الجميل إلى رئيس الوزراء آبي أحمد، الذي كان له دور فاعل في إحداث التوافق مع المجلس العسكري عقب سقوط نظام عمر البشير.

وفي الخلاصة تبقى مشكلة الفشقة قائمة ما دام لم ترسم الحدود بين الدولتين ، واحترام كلا الدولتين لحدود الأخرى ، ولا بد من الفصل بين ملف سد النهضة وما يتعلق بمسائل الحدود، فالمنطقة لا تتحمل صراعا جديدا، يكون ضرره على الجميع.

وعلى الجانب الإثيوبي يكمن حل المشكلة الراهنة، ويتلخص في أن تلتزم الحكومة الإثيوپية بالانسحاب طالما هي تعترف بالفشقة سودانية، وأن تبدأ من فورها ذلك، مع معرفتنا إن هنالك صعوبات ستواجهها، لكن يمكن حلها بالتفاهم مع الجانب السوداني.

كذلك على الحكومة الإثيوپية، لكي تؤكد حسن نواياها ومصداقيتها، أن تطلق يد الجيش السوداني في عصابات الشفتا وأن تعتبر ذلك حقاً مشروعاً لحماية السيادة الوطنية للدولة السودانية، بأن يكون لها الحق في القضاء على المسلحين الذين يتجاوزون الحدود مدججين، وبطرق غير قانونية.

وعلى الجانب السوداني ضبط مسألة الزراعة في الفشقة، فإن هناك مزارعين سودانيين يؤجرون أراضيهم لنظراء إثيوپيين، وهذه عادة جارية منذ سنوات طويلة، هذا الاستئجار يكون عرفياً دائماً، ولا يتبع السبل القانونية والرسمية، فيأتي المزارع الإثيوپي عبر (سمسار، وسيط) سوداني، ويستأجر أرض مساحتها آلاف الأفدنة بمبالغ كبيرة جداً، وغالباً ما يكون الاتفاق شفهي بحضور شهود، فعلى الحكومة تقنين هذه المعاملات وضبطها  بالقوانين ، وتنبه على أن المخالفين لهذا القانون أنهم مساءلون أمام القانون بتهمة زعزعة الأمن القومي.

وكذلك على السلطات السودانية الإسراع في ترسيم الحدود مع الجانب الإثيوبي ووضع العلامات الحدودية الواضحة بين البلدين، ونشر نقاط المراقبة الحدودية لضبط الشريط الحدودي، لحفظ الحقوق للأفراد بين الدولتين، وإرساء دعائم الأمن والتكامل بين القرى الحدودية، فإن الشعبين الإثيوبي والسوداني بينهم روابط وعلاقات ممتدة، فكلما بنيت العلاقات بصورة واضحة كان لها الأثر في نهضة الشعبين وتكاملهما.

عن د. هاشم حسن هاشم

باحث وأكاديمي سوداني

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x