نعم ونقم من جائحة الكورونا

البشرية  كلها في سفينة واحدة، وهي جزء بسيط من هذا الكون العجيب، الذي أبدعه وأتقن صنعته الخالق المدبر (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ )،(النمل:88) وتفرد الخالق بالأمر والتدبير (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:54)، وحياة البشرية متقلبة بين أفراح وأتراح، وصحة وعلل، ومنح ومحن، وقد أكرم الله الإنسان بالعقل ليهتدي إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، لكنّ الإنسان جحود ظلوم قتور، يتجاهل البعض عن رسالة الوحي وربّ السماء والأرض، ويتعامى أن الدنيا دار ممرّ وابتلاء، ولا يدوم فيها أحد، ولو عمر ما عمر نوح، بل افتتن بها البشر وهيأ بيئات لحماية نفسه من العلل والفناء، وأنى له ذلك؟ فإن الحياة تعقبها ممات، تتعدد الأسباب لكن الموت واحد، والقبر يتساوى فيه الفقير والغني، والملك والصعلوك، بل طغى الإنسان في هذه الألفية وتكبرّ، وظلم أخاه فأكل لحمه، وصبّ عليه نار القنابل والغازات، وفي عصر العولمة والتكنولوجيا وعلى مرأى ومسمع العالم، كلّ منا يشاهد تلك المآسي والرعب صباح مساء، ولا أحد يحرك ساكنا تجاهه، ولو ببنت شفة، ولو بشقّ تمرة للاجئين والثكالى في العالم، بل كلّ يجري لدنياه، ومشغول برحلته وراحته ودراسته وزهوه، فجاءت الجائحة كورونا فتوقف كلّ شيى، وشلّ الحركة شللا، فأصبحت المدن الكبيرة فاضية، وشوارعها خالية، والهلع والرعب في نفس كل أحد، فلا الترسانات النووية نفعت، ولا المستشفيات المتطورة حصنت، فالجائحة لا ترى بالعين المجردة، وتنتشر كانتشار الهشيم في الحطب، وتحصد الأرواح حصد المحاصيل، وإليكم باختصار خمس عبر ودروس مستقاة من جائحة الكورونا وتداعياته في العالم:
أولا: الإنسان حار في البحث عن السعادة ولذة الحياة، وركب هواه، واشتكى من الزمان، فكما قال الأستاذ عباس العقاد:
صغيرٌ يطلبُ الكِبرا    وشيخٌ ودَّ لو صَغُرا
وخالٍ يشتَهي عملا ً   وذو عملٍ به ضَجِرا

حتى ختم الرائعة بقوله:

شُكاةٌ ما لها حَكَمٌ   سوى الخصمين إن حضرا

فهل حَاروا مع الأَقدار   أم هُم حيَروا القدَرا ؟

لكنّ الوعاظ ردّدوا كثيرا على مسامعنا أنّ السعادة بسيطة، وأن القناعة مفتاحها، وقد جمع من أوتي جوامع الكلم بقوله ﷺ: ” مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبِه مُعافًى في جسده، عنده قوتُ يومه فكأنما حِيزَتْ له الدُّنيا بحذَافِيرها”، فلم تجد هذه النصيحة آذانا صاغية في المجتمع حتى أتانا فيروس كورونا، واليوم فهم الكلّ معنى الحديث، وما كنّا عليه من نعم تستوجب الشكر والحمد، واستفدنا من الجائحة عين اليقين وكان أكثرنا في علم اليقين.

ثانيا:في هذا العصر الذي انتشر فيه العلم وازدهر، وزار البشر الفضاء والقمر، وطوّرت الآلات وأجهزة ذكية قيل أنها تغني عن البشر، ولها سرعة كسرعة الضوء أو أكثر، عجز العلماء عن  لقاح يحمي المصابين بالكورونا إلى اليوم، ولم تغن المختبرات ولا الأبحاث شيئا، فهل يستسلم البشر ويقرّ بضعفه وجهله مهما بلغ من العلم والتكنولوجيا وربّ العزة يقول:(وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(، الإسراء:85.

ثالثا: أصبح الحجر الصحي أفضل وسيلة للوقاية، وأن النظافة والطهارة في الإسلام أنفع وسيلة، ورجع الكثير إلى مصابيح السنة النبوية وإعجازاتها العلمية، وما ورد في المجذوم، وفي وباء الطاعون، وما روي من الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم في طاعون عِمْواس، بل اكتشفنا ما قرره الفقهاء القدامى في مثل هذه الجائحة من أحكام وفتاوى في غابر الأزمان، وعرفنا أهمية دراسة علم التاريخ وما سطره المؤرخون من ويلات الحروب وانشار الأمراض والجائحات من درر وتجارب، وهذه الدروس تؤدي إلى حقيقة قالها إمام دار الهجرة: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”.

رابعا: بعد ظهور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي بدأت صناعة مشاهير في المجتمع وأصبح أصحاب الدارما والنكات ولاعبي الكرة أكثر مشاهدة، وأغلى دخلا من العلماء والأطباء، ولكنّ اليوم اختفوا فجأة، وتصدّر علماء الأديان، وعلماء الأبدان المشهد، وفيديوهاتهم وقنواتهم اليوم أكثر مشاهدة ومتابعة، ولا نزاع للراسخين منهما في إدارة الجائحة، ومن يعتمد في قوله منهما، ولكن المشكلة في نصف العالم والطبيب وكما قيل قديما: “نصف فقيه يهلك الأديان ونصف طبيب يهلك الأبدان”.

خامسا: في المحن منح، وفي رحم المعاناة دروس وعبر، وفرصة للمراجعة والمحاسبة، فالزموا بيوتكم، والتزموا روح الفأل فهي تقوي المناعة، وتزيل الهموم وتطرد الهزائم، فتفاءلوا فإن الفرج قريب، وعدد المتعافين أكثر من الوفيات، وتصدقوا فإنها تقي مصارع السوء، فإن مرض الجوع علاجه متوفر، لا يحتاج إلى مختبرات وهو الغذاء الذي في أيدينا، ويموت لأجله يوميا أناس أكثر ممن توفي لجائحة كورونا يوميا، وخير الناس أنفعهم للناس وأرحمهم للمسكين واليتيم، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ويدفع عنكم ما تبصرون وما لا تبصرون من البلايا والنقم.

عن منير عبدالله الحاج عبده

باحث وأكاديمي

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x