الحياد الصومالي في أزمة سد النهضة: صواب أم سراب؟

تمهيد:

أعلنت الصومال حيادها إزاء الخلاف المصري الإثيوبي حول سدّ النهضة، معلنة استعدادها للتوسط بين الطرفين لحل الخلاف بينهما، وقد صرح وزير الخارجية الصومالي بذلك أثناء مقابلة صحفية، قائلا: “إن أقصى ما يمكننا فعله هو التوسط بين البلدين أو الوقوف بمنأى عن هذا الخلاف الذي لا يخصنا”.

وجاء ذلك إثر قرار جامعة الدول العربية الذي أدان إثيوبيا، باستثناء دولة السودان التي أبدت تحفظها على القرار، وتأييدها لموقف إثيوبيا، ودولتي جيبوتي والصومال اللتين أعلنتا الحياد.

في هذا المقال نطرح بعض التساؤلات المتعلقة بالموقف الصومالي، وما يمكن أن يؤدي إليه من التداعيات على صعيد السياسة الخارجية الصومالية، ونحاول فيه تقديم تصور شامل قد يجيب على هذه التساؤلات بصورة سريعة.

 

محددات العلاقات الصومالية:

من محددات العلاقة الصومالية الإثيوبية الجوار الجغرافي والمصالح السياسية والاقتصادية المشتركة، إضافة إلى الصراع التاريخي الطويل بين البلدين، كما تحتل إثيوبيا جزءا كبيرا من الأراضي الصومالية منذ عقود طويلة، ورغم ذلك فإن سياسة المصالح هي التي تحكم تلك العلاقة حاليا، في ظل الظروف الأمنية والسياسية للصومال.

بينما تعدّ العلاقة الصومالية المصرية قائمة على الروابط الدينية والمصالح السياسية والاقتصادية الممتدة عبر التاريخ، ورغم الركود الذي طرأ على تلك العلاقة مؤخرا لعوامل متعددة، إلا أن مستوى التعاون بين البلدين، وطبيعة الدعم المصري للصومال في ظروفه القاسية خصوصا في المجالات التعليمية والثقافية، يجعلها متينة إلى حد بعيد.

في ضوء تلك المحددات ينبغي للسياسة الخارجية الصومالية أن تتعامل مع كلا البلدين، وفقا للمبادئ الوطنية والمصالح السياسية، فالحكمة تقتضي الموازنة بينهما، وعدم تغليب المصلحة على حساب المبادئ، وعلى ذلك فإن إمساك العصا من المنتصف ليس دائما هو الصواب.

 

تداعيات الحياد:

من تداعيات الحياد الصومالي تفويض الحكومة الإثيوبية للتحكم بمصير مياه نهري جوبا وشبيلي الذين ينحدران من جنوبي أوغادين – الخاضعة لإثيوبيا -، ويصبّان في المحيط الهندي مرورا عبر الأراضي الصومالي، لاعتبارات تنموية أو اقتصادية إثيوبية على غرار سد النهضة والسدود المائية الثلاث على نهر أومو الذي يصبّ في بحيرة توركانا شمال كينيا، مع العلم أنهما يشكّلان رافدا رئيسيا لحياة المواطنين في الأقاليم الجنوبية للصومال.

ومن شأن الحياد الصومالي أن يُفقدها التضامن العربي والإسلامي، فقد وقف البرلمان العربي إلى جانب الصومال في نزاعها البحري مع كينيا، بما فيها مصر التي تستضيف مقر جامعة الدول العربية، ولا يستبعد أن تتعامل الدول العربية والإسلامية مع الصومال بنفس المنطق الذي اتخذته ذريعة للحياد في هذه الأزمة.

 

وأخيرا

يمكننا القول بأن موقف الصومال الذي قد يبدو تحقيقا لمكاسب سياسية، أو على الأقل تجنبا للمشاكل، ليس بالضرورة كذلك، وإنما بالنظرة المستوعبة التي تتجاوز المرحلة الحالية يمكن أن يشكل الحياد خطرا على مستقبل البلاد.

وبناء عليه فإن السراب الذي يحسبه الصوماليون ماء قد ينقلب عليهم خرابا في أي لحظة، عندما تقرر إثيوبيا القيام بخطوة مماثلة وبناء سدود مائية على منابع نهري جوبا وشبيلي.

عن إبراهيم عبدالقادر محمد

باحث صومالي مهتم بالدراسات المتعلقة بالشأن الصومالي وشؤون القرن الإفريقي

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x