وتحسبونه هينا

كنت أتكلم عن سر تقدم الأمم، وعوامل النهضة والبناء. عددت الكثير من الأمثلة عن أمم تقدموا، وبنوا حضارات. تحدثت عن العصر الذهبي للمسلمين، وعن نهضة أوروبا، أكملت حديثي، ولكن أحد الطلاب باغتني بسؤال أحرجني، وكان حديث سن، فسألني بكل براءة: “لماذا الآن شوارع لندن وباريس وواشنطن نظيفة، بينما شوارعنا ونحن مسلمون مليئة بالقمامات وكأنها زبالة ؟!”. وقعت كلماته عليّ كالصاعقة، وحاولت متفلسفا إقناع الطالب. غير أنه أعاد الكرة وقال: “وماذا عن النصوص الدينية التي تحثنا على النظافة وتنظيف الطرق والمحافظة عليها، لماذا شوارعنا هكذا؟!”. مما زاد الطين بلة، وأعجزني عن الكلام!

حاولت جاهدا بكل ما أوتيت إقناع الطالب، قائلا: “أن الناس لم يعتادوا على المحافظة على نظافة الشوارع، وما شاهدوا حكومة تعاقب من لم يحافظ عليها، وأنه في أوروبا وأمريكا يخافون من كاميرات المراقبة، فيما المسلمون يجهل بعضهم بالنصوص، بينما البعض  الآخر يستخِّفون، وأنه بوجود النصوص لا تعني أبدا أن الناس كلهم ينقادون إليها، فمع وجود تحريم القتل والسرقة مع ذلك الناس تسرق وتقتل كل يوم” حديث طويل، استفرغت كل ما في جعبتي ونجحت بإقناع الشاب، إلّا أنني لم أقتنع !، متسائلا: كيف لمشكلة “صغيرة” كالقمامة في الطريق، أن تُحدث ضجة في قلوب الأبناء؟!. ثم أنّبتُ ضميري، وأحسست بالذنب عن وصفي المشكلة بـ “الصغيرة”! إذ لو كانت صغيرة لما حثّنا الرسول صلى الله علي وسلم على نظافة الشارع، ولما عرقلت حديثي عن تقدم الأمم، ولما اعتبرها البعض من سمات الدول المتقدمة، وما أخطأ من قال ذلك!.

إن رمي المخلفات في الشارع يأتي نتيجة حالة من اللامبالاة، وعدم الإحساس بالخطأ! عندما قلت لأحدهم أن يكفّ عن رمي مخلفاته في الشارع، قال لي: “إيه هي المشكلة، لا تكبر الموضوع، الناس كلها بتعمل كده”!

والحقيقة المتعامى عنها أن الشرع الشريف، وما سيحاسب عليه العبد غدا بين يدي الله عكس هذا! في يوم القيامة يكون عندك ميزانان، ميزان حسنات وميزان سيئات، لن يكون عندك ميزان اسمه “إيه هي المشكلة”، ولن يكون عندك يوم القيامة رد أو مبرر اسمه “عادي الناس كلها بتعمل زي كده”! قال تعالى ((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة))، كل واحد يُسأل عن أعماله وحده!

الحقيقة الثانية أن الإنسان بكونه خليفة الله في الأرض، دوره العمارة والإصلاح، وليس الهدم والإفساد. تساءلت: هل قول الملائكة ((أتجعل فيها من يفسد فيها)) ينطبق على رمي قشرة الفواكه؟، والسيجارة أو المنديل في الشارع؟، وللي لا؟! الذي يقول “عادي الناس كلها بتعمل كده” أما يعلم أن الله يقول ((والله يعلم المفسد من المصلح))؟ فلماذا يختار أن يكون بجانب المفسدين إذا؟!

كان تنظيف الطرق والمحافظة عليها من المهام العظيمة للدولة المسلمة، فعندما أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري إلى البصرة، كان الأشعري رضي الله عنه يقول للناس: “إن أمير المؤمنين بعثني إليكم لأعلمكم سنتكم، وإنظافكم طرقكم”. (مصنف ابن ابي الشيبة ، رقم الحديث: 26322).

وضع الإسلام الحقوق والواجبات للجميع، فكما أن هناك حق الله، وحق الرسول، وحق الجار وحق الوالدين، فهناك أيضا (حق الطريق). قال صلى الله عليه وسلم: (فأعطوا الطريق حقه)، فسأله الصحابة: وما حق الطريق يا رسول الله؟ فذكر صلى الله عليه وسلم خمسة حقوق للطريق، وذكر من بينها؛ ((كف الأذى)). وأكيد الزبالة في الطريق من الأذى! فدعونا نتمثل وصية الرسول ((كفّ أذاك عن الناس فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك)).

ما أجمل أن نحافظ على نظافة طرقنا، وحتى لو لم نستطع أن نبعد عن الطريق الأذى، فينبغي أن لا نكون نحن من نرمي، وأن لا نكون من المفسدين! وأن نكون قدوة للصغار من أبنائنا وبناتنا، ونطبع في قلوبهم حب الوطن، وأنّ ما لا نستطيع رميه في بيوتنا كيف لنا أن نرميه في الشارع الذي هو ملك للجميع!

قد يقول أحدهم: “ما دام لا يوجد في وطننا عقوبة للذي يرمي القمامة في الشارع، فلماذا أكف عن هذا”؟! فأقول: إذا لم يوجد في الصومال قانون رادع، فعليك أن تحمل في صدرك قلبا خاشعا، لمراقبة ربنا الذي يقول: ((إنني معكما أسمع وأرى))، ما أجمل أن نمسك مخلفاتنا لغاية أقرب سلة مهملات أو مكان يناسب، وألا نفسد الأرض ونكون من المصلحين، ولا نجعل شوارعنا زبالة. وبهذا نكـون قدوة لصغارنا، ونغرس فيهم روح حبّ الوطن!، ونقضي بهذا على مشكلة كبيرة، ولكنها صغيرة في أعيننا؛ ((وَتحْسَبـُـــــــــــــــــــوْنَهُ هَيِّنــــــــــاً وهو عند الله عظيــــــــــــم )).

عن عبدالعزيز عبدالله حسين

طالب جامعي مهتم بشؤون التنمية

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x