سحر الكلام

تعلمتُ درسا جميلا منذ أن قرأت كتابا لأحد علماء النفس التربويين، يقول: (( إملأ الثقة في نفوس أطفالك بالكلمات المشجّعة دائما، وأثني دائما بآراه وأفكاره)).
ولكن بعدها علمت أن الكلمات الطيبة لا تؤثر فقط في نفوس الصغار، وليست حكرا عليهم، ولكنّ الكبار أيضا يحناجونها ، فتزداد نفوسهم ثقة، وتجعلهم أكثر حماسا !

كلمات الإنسان لها سحر في بناء النفسية، وترميم العلاقات الضعيفة. الكلمة الطيبة تُذهب كل جفاء، وتُطفئ نار الغضب وتبني ثقة متينة بين أيّ إثنين، وتأتي أُكلها كل حين، إذ كلما تفكر بها تزداد ثقة، بينما الكلمة الخبيثة كلما تفكر فيها تكسر القلوب والأرواح!. وصدق الله حين قال: ((وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ)) إبراهيم: ٢٦

وسبحان الله، كم من العلاقات التي كانت لها تاريخ طويل من الحبّ والوّد ماتت بكلمة خبيثة، تُجرح النفوس ولا تتعافى!. وكم من الأمجاد والنجاحات حُققت بكلمة طيبة تبعث رسائل التفائل والثقة في النفوس!.

الإمام البخاري عمل أكبر خدمة للمسلمين وكتب كتابه “صحيح البخاري” بسبب كلمة تشجيع، كلمة طيبة من شيخه !.

والإمام الشافعي ما كان يهتم في صغره بعلم الفقه، إلى أن سأله أحد العلماء: من أي البيوت أنت؟، قال: من بني عبد مناف، فقال له: أنت قريب النبي صلي الله عليه وسلم، هذا شرف الدنيا والآخرة. يا غلام، لو كان همّك في الفقه لكان أحسن لك!. هذه الكلمة الطيبة التشجيعية جعلت الإمام الشافعي تهزّه، وتجعله إمام الدنيا!.

انتقاء الكلمات الطيبة صفة جميلة من صفات الرحمن، فيذكر العلماء أن الله سبحانه لم يستخدم في القرآن كلمة “كره” للأشخاص، وإنما “لا يحب”: ((والله لا يحب الفساد))، ((والله لا يحب الظالمين)). قال العلماء: حتي لا ينكسر قلب من اتصف بهذه الصفات، ويتحرى أن يحبه الله بدل أن ينكسر قلبه ويقنط من رحمة الله. ولما استخدم الله سبحانه كلمة “كره” كانت لأفعال المخطئين، وليست للأشخاص:((وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)) التوبة: ٤٦

وعندما ينادينا ربنا سبحانه للقائه في الصلاة يستخدم كلمة لطيفة في منتهي الجمال كما يقول مصطفى حسني: يقول المؤذن: ((حيّ علي الصلاة)). يعني: حياتك في لقائي، وحبّي ومعيّتي !.

ويُحذّرنا الله سبحانه من بعض الذنوب الكبيرة بأطيب الأقوال، يقول تعالى: ((يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)) آل عمران: ٣٠ يقول الشيخ سلمان العودة في الآية: “لطف الله سبحانه حتى في تحذيره وتهديده”!.

وانظر معي قول النبي صلي الله عليه وسلم عندما رأته عائشة رضي الله عنها، وعرقه يتصبب من جبينه المنور، فتقول: لو رأى الشعراء وجهك لنظموا فيه شعرا. قالت: فنظر إليّ وقال: ((يا عائشة، والله ما كافأتك مثل ما كافأتيني)). وقام وقبّلني بين عيني. موقف في منتهى الجمال نفتقده اليوم !.

يقول مارك توين: “كلمة من عسل تُغير بها وجهة نظر الآخرين عنك”. لما تستخدم كلمات ثناء وتشجيع كثيرة تفتح قلوب الآخرين لك !.

لا زلتُ أتذكر ما قاله عنّي أستاذي يوما عندما لامني أحدهم أمامه بأنني لم أخرج من البيت ولم أخالط معهم وقت الإجازة. فقال: “ذاك دأب المفكرين”!. الكلمة هذه جعلتني أُغيّر طريقة تفكيري تماماً. سبحان الله إن لبعض الكلمات لسحراً !.

عزيزي القارئ، راقب أقوالك قبل أفعالك، وبالذات وقت المشاعر. هب أن أحدا اجتهد وينتظر الثناء منك، أشبعه بالتشجبع، ولا تكسر قلبه أو تجرح مشاعره بكلمات سلبية. يذكر العلماء أن الله سبحانه لما رأى أيوب عليه السلام صبر في البلاء، أثنى عليه فقال:((إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ)). ص: ٤٤

لا تسخر من مجهود شخص بذل الجهد وينظر الثناء، ولو لم يُصب. حتى أثناء الخلافات راقب كلماتك ولا تقل كلمة تكسر القلوب، فيتضاعف الخلاف على موضوع الخلاف وبالألفاظ المستخدمة!. فراقب كلماتك قبل أن تخرج من فمك، وتذّكر معي قول الرسول صلي الله عليه وسلم: ((إن في الجنة غرفا يُرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، أعدّها الله لمن ألان الكلام)).

ولا تنس أن بعض الكلمات مثل الرصاص، فالرصاص تقتل الأجساد، وتهشّ العظام، بينما رصاص الكلام تكسر القلوب، وتجرح المشاعر فيَصعُبُ ترميمها!.

عن عبدالعزيز عبدالله حسين

طالب جامعي مهتم بشؤون التنمية

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x