أنا الخلاص بدونك (خواطر عن الرحيل)

وزع الله الخيرات بين الناس ولم يجعل أحدا كاملا، لكي يحتاج الناس مع بعض، ويتآلفوا، ويســاعدوا ويدعموا مع بعض. فالإنسان لا يمكن أن يعيش لوحده لا يُساعد ولا يُسَاعد، ولا يحتاج الى الناس ولا هم يحتاجون اليه. إذن فهي من الطبيعة البشرية ان يحتاج الناس الى بعض.

ومن إحتياج الناس بعضهم البعض حاجتهم الي علاقة بينهم. وعلاقة الناس بينهم مبينة بالحب والإحترام، والعطاء، والأخوة والصداقة. والإسلام حثّ علي جميع الروابط بين المجتمع سواء كانت صداقية أو أخوية أو غيرها، كما حرم علي الظلم، والخذلان والتخلي وقت الحاجة. قال صلي الله عليه وسلم: (( المسلم أخ المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)).

وأصل العلاقة بين الناس التبادل بالحب والإحترام، لكن بعض العلاقات ليست متبادلة وسوية أعني فيها طرف محب ومُقبل، وطرف غير مبال ومتخلي دائما ولا يعرف مكانته من قلب صديقه. الأول يفعل المستحيل لإرضاء صديقه والثاني لا يهمه، الأول يقلقه غياب صديقه بينما الثاني لا يعنيه وجوده. الأول يعتبر الثاني مصدر سعادته وأمانه، وإذا انتهت هذه العلاقة يظن أن سعادته ووجوده ينتهي!. وبهذا تنقلب هذه العلاقة الى علاقة جحيمية ، والشخص المقبل هذا في عذاب لأنه يظن أن حياته مبنية بوجود هذا الشخص في حياته، وأنه العدم والميت بدونه!.

هذا النوع من التفاني مذموم إذ صاحبه ضعيف الشخصية وقليل التوكل علي الله تعالي، ويسميه علماء النفس “الإبتلاع”!، أن هذا الشخص يبتلع شخصيتك !. وهو الذي استعاذ منه صلي الله عليه وسلم حين قال: (( لا تكلني الي أحد من خلقك طرفة عين)).

كثيرون جدا مثل هذ النوع من الناس، أحد يظن أن حياته مربوطة بإسعاد صديقه بينما هذا الصديق لا يهمه ذالك، يكذب ليرضي صديقه في كل وقت !.

أتذكر أن أيام الدراسة كان لي صديق مقرَب الي، وكان معنا في الفصل صديق لصديقي، وكان من الأوائل في الفصل وقت الإمتحانات، وكان أيضا من الطبقة الثرية، فكان صديقي يحاول دوما أن يقترب منه أكثر، بينما هو يبتعد عنه أكثر، فأشتكي الي يوما صديقي وقال: “صديقي “أحمد” يتركني ، أحمد يتخلي عني وأنا لا أستطيع العيش بدونه !”. فسألته عمّا إذا خرج من بطن أمه وحده، أو أن أحمد كان معه؟!، فأجاب: أحمد لم يكن معي إلا قبل سنتين. فقلت له: تصور نفسك بدون أحمد، مالذي ينقص منك إذا فقدته ، ومالذي ستجده بحضوره؟!، أحمد هذا لن يبني لك مستقبلا ، إبن مستقبلك بيديك، وكن فخورا بنفسك!. المهمّ في النهاية إقتنع صديقي، وقرر أن ينهي المهزلة !.

الذي إختار الرحيل ، وما راعي الصداقة بينكما، دعه يرحل ويروح!، وعلمّه أن أرض الله واسعة ، وأنه بمقدورك العيش بدونه، وأن وجهك لم يعد قِبلته وصار بإمكانه الإتجاه حيث شاء!، أخبره أنك تميز الليل والنهار، وأنك حياتك ليست كلها ليل بعده !.

لا تجعل نفسك ضعيفا فتبكي وتقول أنا النفاد والهلاك بعد رحيلك !، وإذا سألك عن حالك بعده، فأخبره بكل أريحية أنك بخير، وانك لم تعد تنتظر تقديم القهوة من يده فقط !، أخبرهم جميعا الذين رحلوا وأختاروا الرحيل أنك بعدهم بخير !، وأنك تستطيع أن تعد الى العشرة دون ان تستعين بأصابعهم !.

إنني بعدكم بخير، ففصول السنة أربعة بعدكم، والساعات تحتوي ستون دقيقة ، وليست ستون وجعا بعدكم!، وان الساعات لا تحتاجكم لتمضي معي بسرعة !.

الذي يقلق دائما من أن فلان يتركه أو يتخلي عنه، واذا رحل عنه لا يقدر العيش دونه، ضعيف الشخصية، ومرعوب!. والحقيقة أنك العدم والفناء إذا فقدت فقط “الله”، وكما قال سيدنا علي رضي الله عنه: “ماذا فقد من وجد الله؟”.

هل يوجد من هم أولى من الصحابة ان يصبحوا عدما عندما فقدوا رسول الله؟، لا أنكر أنهم حزنوا ، وأنكسروا بعض الوقت ولكن سرعان ما تماسكوا لإستكمال طريق الدعوة ، واستأنفوا الحياة . تصوّر فقد انسان معصوم من الخطأ، رحيم ودود، المعلم الأول للكون، ومع ذالك واصلوا حياتهم بدون أشرف الخلق عليه السلام لأنه هو الذي رباهم أنهم يستطيعون العيش بدونه.

وهذا هو الشاعر الكبير أحمد شوقي، يصف لنا حال إنسان عاشق يذل أمام عاشقه ، قال:
هجرت بعض أحبتي طوعا        لأني رأيت قلوبهم تهوي فراقي
نعم أشتـــــاق ولــــــــــــكن        وضعت كرامتي فوق اشتياقـــي
أرغب في وصلهم دومـــــا         ولكن طريق الذلّ لا تهواه ساقي.

وهذا عكس ما قاله أبو نواس الذي يتكلم عن واحد يعبد الذي يحبه، قال:
أصـــم إذا نوديت بإسمي           وإذا قيــــــل يا عبدها لسمـــــــــيع !.

كــــــــن رحيما ودودا، وتفاني في حب من تحب، لكن إذا وجدت من يكره علاقتك، ويفر منك دائما، وأنت تفعل كل شيء لإرضائه، فخل عنه، فأنت لست ضريرا ليمسك أحدهم يدك ويقودك حيث شاء !، وأنت لن تكون عدما بفقد علاقة أي شخص في هذه الدنيا ، أنت العدم والخلاص فقط إذا فقدت الله. فماذا وجد من فقد الله، وماذا فقد من وجد اللــــــــــــه ؟!.

عن عبدالعزيز عبدالله حسين

طالب جامعي مهتم بشؤون التنمية

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x