مسلمو شرق إفريقيا وعلاقتهم بالحكم الحبشي بين الإمارة الإسلامية قديما والولاية الفدرالية حديثا

التطور التلقائي للتشكلات السياسية والكيانات السياسية التي سارت فيه إفريقيا من حين انتشار الإسلام في القرن الأفريقي ثم إلى ميلاد ولايات فدرالية ذات صبغة إسلامية يؤدي إلى قراءة للمشهد السياسي الحالي للمنطقة على هامش إدراك خيوط التواصل الثقافي السياسي بين الماضي والحاضر والوقوف على مفاصل التطورات المرحلية التي مرت بها الإمارات الإسلامية السبعة.

إن من الصعب إن لم تكن شبه مستحيل أن تنتج القراءة السياسية للماضي والحاضر معطيات مغايرة، تختلف في منهجها الثقافي وسياسة التعاطي مع الواقع!! فبين الماضي والحاضر جسر معنوي مبني على أدبيات الثقافة والتاريخ وايديولوجيا والدين، ولذلك تنتقل الأفكار والمبادئ إلى حاضرنا الحاضر دون تغير وتبديل في المستوى التجريدي النظري، اللهم الا بعض الممارسات الفكرية التي أصابت بها تيار المعاصرة.

ونلاحظ في عنوان المقالة أن النظام الفدرالي المنتشر على طول الساحل الأفريقي، لم يكن سوى ميراث سيو اجتماعي اندرس لبرهة من الزمن، ثم عاد إلى مربعه في الأرض من الإقليم مع إضفاء بسيط من المعاصرة، الذي لا يسحب الباعث الفلسفي للثقافة السياسية من تأثيرها على النموذج الفدرالي!!

عندما يؤرخ علماء التاريخ عهد انتشار الإسلام في القرن الأفريقي تتردد معظم مذاهبهم أن الإسلام صار منتشرا في المنطقة وهو لم يتجاوز حدود مكة في الفترة الجهرية للدعوة الإسلامية، وكان ذلك في الهجرة إلى الحبشة، حيث كانت الحبشة تحت حاكم عادل يسمى بالنجاشي، فأمر رسول الله أصحابه من مغادرة مكة إلى مملكة الحبشة، ومن هنا وتلك اللحظة انطلقت أولى شرارة الدعوة الإسلامية وأخذت تتسرب في أمصار القرن الأفريقي، وتجتذب قلوب الناس نحو رحابة الإسلام، فاكتسب المهاجرون قلوب سكان القرن الأفريقي، وما تحتضن المنطقة تجمعات في مهد تكوينها ويسودها أجواء من التماسك الديني مع حالة انعزالية من مجتمعهم، حتى طال على قصر المملكة هاجس خوف تجاه هذه التكونات البدائية، فقررت الحبشة أن تقاوم الزحف الإسلامي بكل ما أوتي من قوة، ومن هذا المنعطف تبدأ صفحة جديدة من تاريخ القرن الأفريقي حول التأرجح بين القوى المسيحية والمماليك الإسلامية، ونعون لمعرفة مسارات هذه الحقبة بعنوان :

التمايز الديني وأثره في طبيعة العلاقات السياسية بين المسيحية والإسلام:

كان الانتشار الرهيب للإسلام في أوغال القرن الأفريقي وامتلاكه أكثر من ثلاثة أرباع من مسافة الحبشة أكبر الأثر في تكتل مملكة الحبشة داخل الهضبة والتخندق فيها لتشكل ثكنة عسكرية في وجه المد الإسلامي علاوة على ذلك العمل الدؤوب لملوك الحبشة في سبيل توحيد الجبهة الداخلية ولملمة الصف إزاء هذا الزحف الإسلامي الواسع، ومن حسن الحظ  أن قيض لمملكة الحبشة ملوك أقوياء أرغم تلك القبائل المعتنقة للإسلام في تقديم الولاء الطاعة لهم، فنشأت إثر ذلك إمارات إسلامية سميت بالطراز الإسلامي؛ كونها شاطئة على جانب البحر الأحمر كالطراز له، واشتهرت ببلاد زيلع، وتتوزع على سبعة ممالك إسلامية، واعظمها شأنا مملكة إيفات المسيطرة على فرضة زيلع، ومملكة دوارو، ومملكة أرابيني، ومملكة شرخا، ومملكة هدية الواقعة في جنوب إفات، ويحكمها أقوى ملوك الإمارات الإسلامية حيث تتمتع مملكته بوافر من الخيول والرجال، وكانت تمتلك مركزا من مراكز تجارة الرقيق.

الحلف الاستراتيجي بين الحبشة والقوى المسيحية الغربية:

 كانت مملكة الحبشة حليفا استراتيجيا للامبراطورية البيزنطية، وتشرف الحبشة على النشاط التجاري الذي تستضيفه موانئ البحر الأحمر، وكانت اليمن همزة وصل بين الحبشة والجزيرة العربية، الأمر الذي يجعل اليمن محل أنظار القوى الغربية المتمثلة بالامبراطورية البيزنطية، والقوى الشرقية المتمثلة بالامبراطورية الفارسية، وانفجرت بين هاتين القوتين تنافس حاد في سيطرة اليمن.

قرر ذو نواس على إغارة اليمن والقضاء على أتباع البيزنطيين، فوصل الخبر إلى قصر الإمبراطور البيزنطي، فاستنجد بملك الحبشة من أجل أن يوفر الحماية لمسيحيي اليمن قبل أن يفنوا على يد ذي نواس، وألا تتعرض حركة التجارة الشرقية هجمات شرسة من الإمبراطورية الفارسية.

وبناء على ذلك الحلف الاستراتيجي، تذكر كتب التاريخ ان البرتغال كقوة غربية بارزة مدت يد العون لمملكة الحبشة أيام صراعاتهم مع الإمارة الإسلامية والذي قيادة دفتها الإمام أحمد بن إبراهيم الأشول، وأسفرت تلك الصراعات الدامية آلاف من الضحايا بين المعسكرين، وكان الصراع سجالا بينهما، حتى جاء النصر حليفا للحبشة فقضت على الممانعة الإسلامية المتمثلة بكيانها السياسي في شرق أفريقيا، وسقط الإمام أحمد بن إبراهيم قتيلا في آخر المعارك التي دارت بينهما؛ ذلك لأن الإمبراطورية الحبشية تلقت أسلحة فتاكة وعتادا عسكريا من البرتغال، الأمر الذي رجح كفتها ضد الإمارة الإسلامية، وتبددت الكيانات السياسية للمسلمين، بحيث لا تستطيع أن تلعب دور القوى الموازية للامبراطورية الحبشية، وقد يعوز هذه الهزيمة إلى مشكلة العزلة التي يتعرض بها دائما المسلمون في شرق أفريقيا، وتغييبهم من ميادين الاحتكاك والصلات البينية، كل هذا وذاك يقف حجر عثرة أمام إرساء كيان سياسي يمثل شعبه باستقلالية ذات سيادة موهوبة الجانب.

تتربع الأسرة السليمانية عرش الإمبراطورية الحبشية لفترة طويلة، فاكتسبت بذلك خبرة سياسية ومهارة قيادية، وكانت الإمارات المسيحية والإسلامية يقيمون الولاء للأسرة السليمانية، ويدفعون الضرائب لها، فأصبح ملك الحبشة الراعي لكل الإمارات المتناحرة. لنسلط على الإمارات الإسلامية وعلاقتها المشبوهة مع مملكة الحبشة، هل كانت العلاقة علاقة لا تمس أذى بالسيادة أم كانت مجرد ضلع من أضلاع الإمبراطورية وأداة طيعة في يدها.

دور الإمبراطورية الحبشية في صناعة الفدرالية في أدنى شرق أفريقيا:

كان ملوك وأمراء الإمارات الإسلامية المتناحرة يسعون إلى خطب ود ملوك الحبشة، وخاصة إذا كان ملك الإمبراطورية يقوة القيادة والسياسة، وهذه السمة كانت بارزة عند حالتين،

أولاها : عندما كان الإسلام في مرحلته الأولى من انتشاره للمنطقة وسعى إلى تأسيس كيان يجمعهم اضطر إلى تحسين علاقته بالامبراطورية الحبشية.

الثانية : كانت بعد تدهور العلاقات بين الكيانات الإسلامية، ونشوب صراعات داخلية حول السلطة، وما إن استتب الأمر حتى يدب الخلاف في جسم الإمارة وترفع القضية إلى ملك الحبشة، ليأتي بالحل وحده إلى أبناء الإمارة الإسلامية، فتفرض عليهم امتثال ما توصل به الإمبراطور من حكم وإبرام، وقد يحصل صدور تهديدات من قصر الإمبراطورية إلى كل من يحاول الفكاك من ربقة الإمبراطور من الأسر الحاكمة للإمارات الإسلامية، واستمرت الإمارات الإسلامية والمسيحية تصغي أذنها لأوامر الإمبراطور، وهو يستجمع الأموال منهم ويضرب عليهم ضرائب ورسومات مالية، ولا مناص لهم من الامتناع من دفعها؛ لوجود اضطرابات داخلية، وصراعات حول السلطة والنفوذ بين أبناء السلالة الحاكمة! ولم تعد الإمارات الإسلامية تجدي نفعا في مواجهة الإمبراطورية الحبشية، وتحييدها عن تفاقم نفوذها في منطقة شرق أفريقيا، وقد يعوز تدني مستوى المقاومة الإسلامية في وجه الإمبراطورية الحبشية إلى :

1 :كثرة الاضطرابات الداخلية، ووجود أحلاف وأحزاب داخل الأسرة الحاكمة، الأمر الذي مهد الطريق إلى كسب ود الحبشة.

2 :لم تفلح الكيانات السياسية اكتساب خبرة سياسية تمنحهم إلى رفع سقف الطموحات لديهم من سيطرة الإقليم من الساحل إلى الداخل، وترتيب سفارات تمكنهم من الاحتكاك المباشر مع العالم الخارجي وإقامة صلات خارجية.

3: كانت القيادات العليا للإمارة الإسلامية من أسر عربية وافدة نزلت ضيفا في ديار الشعوب المسلمة في القرن الأفريقي، وتم ترحيبهم بتأسيس إمارة إسلامية، والشعوب المسلمة بدورهم يجيشون رجالهم في الدفاع عنها، وأكثر هذه الأسر منبوذة من أوطانهم بسبب انهيار دويلتهم في يد أسرة أخرى، أو بسبب الجفاف والتصحر، فلم يكن لديهم مشروع سياسي طامح، والميسم الطافح كان الجشع لتولي الإمارة واشباع الغريزة الطامعة بالظهور فقط، علاوة على ذلك أنها تعاني من فقر لطبيعة القبائل والشعوب والقوميات المعتنقة للإسلام، طبعا وعدم خبرتهم للواقع الجغرافي السياسي، ثم كان ينتهي أمرهم بالرحيل عن المنطقة والعودة إلى أوطانهم بعد سقوط دولتهم.

وقراءة على ما سبق مضمونها وفلسفتها تعكس سلبا على الواقع السياسي للصومال، نظرا لاستنتساخ إثيوبيا تجربتها السابقة للمنطقة المتمثل في تطبيق الفدرالية المتناحرة، بحيث يضمن لها استمرار نفوذها في دول القرن الأفريقي، ريثما لا تستطيع الولايات الفدرالية المشتركة في معالم الوحدة تجاوز الخلافات الوهمية والنزاعات الدموية بأسباب أهمها العقلية المدبرة لطبيعة الحكم، القائم على أركان الكانتونات الإدارية، والقاتلة على الإحساس الوطني، مما يفسح المجال لتنامي القوة الصاعدة في الحبشة، وتشريعها  لسياسات ذات ارتباط عميق بالعمليات البحرية واقتصاديات الموانئ والمرافئ، ومساهمتها الفعالة في إعادة بناء الدولة الصومالية والجيش الصومالي بصورة يضمن لها إجهاض كل المبادرات التي تسعى إلى توحيد القرار وتأسيس أركان دولة قوية لها صوتها المسموع في المحافل الإقليمية والدولية، ومكمن الحل في تغيير نظام الحكم ودستوره الفدرالي،. وإضفاء روح وحدوية في الثقافة السياسية الصومالية، من خلال تبديد المفهوم القبلي للدولة، وأخيرا الفدرالية _يا سادتي _ هي الوجه الآخر للقبلية!! وعامل فعال في تكريس مركب النقص والتبعية على المستوى السياسي!!.

عن عبدالقادر عثمان شيخ آدم

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x