ماهي حكاية بير الطويل أو مملكة المغامرين؟

أثار إعلان سيدة أمريكية من أصول عربية مولد دولة عربية إسلامية  جديدة باسم “مملكة الجبل الأصفر” بين السودان ومصر حالة من الجدل الشديد حيث وصفها البعض بانها مجرد مزحة “فيسبوكية” في حين حذر البعض من تداعياتها  وضرورة اخذها بمحمل الجد بينما راح بعض ثالث يغرد انطلاقا من فهمه لنظرية المؤامرة وربطها بجدليات صفقة القرن الترامبية (نسبة للرئيس ترامب).فما هي أصل الحكاية وما يقف خلفها وما ينبغي عمله؟ تمثل منطقة بئر الطويل فجوة حدودية نتيجة النزاع الحدودي بين كل من مصر والسودان. تبلغ مساحتها 800 ميل مربع أو 2060 كيلومتر مربع. هي أرض قاحلة غير مأهولة ولا توجد بها مياه ولا بنية تحتية، فقط الرمال والصخور. ترجع بدايات القصة إلى فترة الاحتلال البريطاني لكل من مصر والسودان. فقد تم تعيين الحدود بين مصر والسودان بمقتضى اتفاقية عام 1899 طبقا لخط العرض 22  وهو ما يعني أن منطقة بير الطويل تقع ضمن الحدود السودانية بينما يقع مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد ضمن الأراضي المصرية.  في عام 1902 حدث تعديل اداري لمراعاة واقع القبائل في كل من مصر والسودان  حيث كانت بعض القبائل المتمركزة بالقرب من أسوان تستخدم أرض بئر الطويل للرعي وهو ما جعلها تتبع اداريا  السلطة المصرية  في حين تركت ادارة مثلث حلايب للخرطوم  . الملاحظ ان القرار الإداري بتعديل الحدود اتخذه ناظر الداخلية المصري  بناء على تقرير لجنة فنية برئاسة مدير أسوان (مصري) وثلاثة مفتشين من الداخلية المصرية وثاني من حكومة السودان وأخير من خفر السواحل المصرية، كانت مهمتهم تحديد أرض قبائل البشاريين.

بيد أن مصر تمسكت دوما بأن الحدود السياسية الأصلية هي المقررة بمقتضى اتفاقية 1899 ولم تتنازل قط عن سيادتها على حلايب . وعلى النقيض يدعي السودان أن الحدود الإدارية لعام 1902 هي الحدود الفعلية. ولعل ذلك النزاع الحدودي هو الذي خلق مشكلة  بئر الطويل التي أضحت بمثابة أرض غير مطالب بها من أحد.

 بغض النظر عن قسوة الطبيعة الجغرافية للمنطقة فقد فتحت النزاعات الإقليمية بين مصر والسودان الباب أمام بعض المغامرين للمطالبة ببئر الطويل. ففي عام 2011 ، قام جاك شينكر برفع علم متعدد الألوان في منطقة بئر الطويل. كان جاك يكتب مقالًا لصحيفة الجارديان عن المنطقة عندما اختمرت في ذهنه فكرة أن يصبح ملكا بلا مملكة. وفي عام 2014 ، سافر الأمريكي جيرميا هيتون إلى بئر الطويل لتحقيق حلم ابنته في أن تصبح أميرة.  بالفعل سافر الرجل إلى السودان واستأجر سيارة جيب وقام برحلة شاقة عبر طرق وعرة يسلكها قطاع الطرق واللصوص لمدة 14 ساعة في اتجاه  بئر الطويل. بمجرد وصوله أعلن “جيرميا” عن قيام دولة  جديدة ذات  سيادة في مملكة شمال السودان. وباعتباره ملكا متوجا قام بتنصيب ابنته إميلي أميرة للمملكة. تم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفسيبوك والتويتر. وبالفعل بدأ الرجل حملة تمويل جماعي بهدف جمع ربع مليون دولار كان يأمل في استخدامها لتطوير بئر الطويل. بيد أن  الحملة  تمكنت من جمع نحو عشرة آلاف دولارً .

بيد أن الاعلان الأخيرعن انشاء مملكة الجبل الأسود يطرح الكثير من الشكوك لأسباب تتعلق بالتحولات الجيوستراتيجية التي تمر بها المنطقة ولاسيما قضايا السلام والمهاجرين في منطقة الشرق الأوسط وما يثار اعلاميا حول صفقة القرن. فهل التفكير التأمري يجعلنا نفكر بأن تكون هذه الدولة المزعومة وطنا بديلا لم لا وطن لهم في منطقتنا مثلما كان التفكير بإنشاء وطن قومي لليهود في أوغندة. وهل كتب على أفريقيا أن تشكل حقل تجارب للهواة والمغامرين الذين ولدوا من رحم الامبريالية الغربية؟

 

ماهي دواعي القلق عربيا وأفريقيا؟

  • طبقا لقواعد نشأة الدول في القانون الدولي توجد ثلاثة أركان هي : 1- إقليم محدد (في حالة مثلث بئر الطويل معلوم المساحة وإن كان يشكل منطقة حبيسة)، 2- سلطة حاكمة (تم الإعلان عن وجود سلطة تتألف من أسرة حاكمة ومجلس وزراء ويبدو أن ثمة جهات دولية تقف وراءها) ، 3- شعب ( سوف يكون قوامه المهاجرون الجدد إلى المنطقة ) ز لاحقا يعتبر الاعتراف الدولي مكملا لنشأة الدولة . وينبغي التنويه أن القانون الدولي لا يحدد مساحة معينة للإقليم أو حدا ادنى لعدد السكان.
  • تشهد أفريقيا وجود الدول الصغيرة وهي الجزر الخمسة : سيشل وساو تومي وبرينسيب  وموريشيوس وجزر القمر والرأس الأخضر، بالإضافة إلى غامبيا. ويلاحظ أن أصغر الدول الأفريقية هي أيضا   البلدان الأقل سكانا. تعد سيشيل ، أصغر دولة من حيث المساحة (451 كيلومتر مربع أي أقل من بئر الطويل) ، وهي أيضًا الدولة الإفريقية الأقل سكانًا والتي يبلغ عدد سكانها حوالي 94228 نسمة. أما ثاني أصغر دولة أفريقية فهي سان تومي وبرينسيب حيث تغطي مساحة 964 كم مربع ، وهي أيضًا ثاني أقل دول القارة سكانًا( 192993 نسمة ).
  • لا يمكن الاحتجاج بأن بئر الطويل منطقة حبيسة ليس لها سواحل على البحر. من بين 55 دولة في أفريقيا ، 16 منها دول حبيسة غير ساحلية هي : بوتسوانا ، بوركينا فاسو ، بوروندي ، جمهورية إفريقيا الوسطى ، تشاد ، إثيوبيا ، ليسوتو ، ملاوي ، مالي ، النيجر ، رواندا ، جنوب السودان ، سوازيلاند ، أوغندا ، زامبيا ، وزيمبابوي. بعبارة أخرى، يتكون حوالي ثلث القارة من دول لا تستطيع الوصول إلى المحيط أو البحر. وهي ظاهرة تعكس عبثية الحدود الموروثة عن العهد الاستعماري.
  • بيد أن الأخطر من ذلك كله هو محاولات إعادة الصياغة الجيوستراتيجية للعوالم غير الغربية ولاسيما في أفريقيا عن طريق الفك والتركيب. توحيد المجزأ وتفكيك الموحد (كما يحدث ونشاهد في عالم القرن الأفريقي الذي يشهد صراعا بين النزعات الوطنية والنزعات الإمبراطورية التوسعية). مكمن الخطورة هو إمكانية استقطاب بعض الهويات الإقليمية المهمشة في المنطقة لتدخل في مؤازرة هؤلاء المغامرين. عندئذ يتحول الهزل والمزاح إلى مواقف درامية حادة.
  • إشكالية التوقيت حيث تشهد منطقة الشمال الأفريقي وشرق أفريقيا حالة من السيولة وعدم استقرار توازن القوى منذ احداث الربيع العربي عام 2011 . إذ أضحت مصر أكثر انكفاء على الذات محملة بمشكلات الأمن والاقتصاد في الداخل وتحديات وضغوط خارجية من كل صوب . أضف إلى ذلك إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي لغير صالح القوى غير العربية فقد برزت أثيوبيا في ظل زعامة شابة لتجسد مقولة الصعود الأفريقي في النظام الدولي بينما تناضل كل من السودان والصومال من أجل الحفاظ على ما تبقي من وحدتهما الوطنية.

 

ما العمل ؟

على الرغم من إشكاليات الحدود المتوارثة عن العهد الاستعماري وانها أشبه بالقنابل الموقوتة التي تهدد استقرار ووحدة الدول الأفريقية فإنه من المتعين السعي لإيجاد حلول غير تقليدية من خلال التفكير خارج الصندوق وبما يعلي من مبدا حلول أفريقية لمشكلات أفريقية. لقد آن للنزاع الحدودي بين مصر والسودان أن ينتهي وأن يتم تفعيل مبادرات التكامل الاقتصادي بين البلدين وفقا لأسس جديدة تقوم على الشراكة والندية بين الطرفين. إن عقلية المباراة الصفرية التي يكون فيها رابح وآخر مهزوم لا تجدي نفعا ولا تحقق طموحات أي من الطرفين. نحن بحاجة إلى شراكات تعاونية وأن تصبح مناطق النزاع مناطق تكامل ونماء بين البلدين.

‏-‏‏ ولا شك أن إقامة استراتيجية جديدة ليس فقط بين مصر والسودان ولكن مع منطقة شرق أفريقيا تستطيع أن تحافظ على، وتدعم العلاقات البينية ‏بين الطرفين بشكل عام أصبح ضرورة ملحة. وعلى الرغم من وجود بعض الصور الذهنية السلبية المتبادلة ‏السائدة في كل من مصر ودول المنطقة ولاسيما أعالي النيل فإن الإدارة الناجحة لملف العلاقات المشتركة ‏بين مصرو شرق أفريقيا يمكن أن تؤدي إلى بناء شراكات استراتيجية من خلال تعزيز الثقة المتبادلة بين ‏الطرفين وتبني خطاب اعلامي وثقافي جديد. إن الانحياز للمنظور التعاوني مع دول هذه المنطقة في مواجهة ‏التحديات الأمنية والاقتصادية والثقافية المشتركة يمكن أن يؤدي إلى توسيع وتعميق المصالح الاستراتيجية ‏طويلة الأجل ويساعد الطرفين على مواجهة المخاطر والتحديات الاستراتيجية التي يفرضها عالم القرن ‏الواحد والعشرين. ‏عندئذ تصبح محاولات التسلل إلى المنطقة وتهديد أمنها من خلال بعض المغامرين أمثال حالة مملكة الجبل الأصفر بمثابة مواد للتسلية تصلح لأفلام هوليود.

عن د. حمدي عبدالرحمن

د حمدي عبدالرحمن حسن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، نائب رئيس الجمعية الإفريقية للعلوم السياسية 2001 - 2003، مؤسس ومدير برنامج الدراسات المصرية الافريقية بجامعة القاهرة 2002 - 2000.

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x