أزمة الحدود البحرية بين الصومال وكينيا (الواقع والسيناريوهات المحتملة)

 

مقدمة:

تتناول هذه الدراسة العلمية واقع الأزمة الحدودية بين دولتي الصومال وكينيا واحتمالات قرار محكمة العدل الدولية المرتقب، في ضوء القوانين الدولية وطبيعة المؤثرات السياسية الإقليمية، وتهدف الدراسة عبر ذلك إلى تقييم مستقبل العلاقة بين الدولتين.

وتأتي أهمية هذه الدراسة من خلال كون الأزمة نوعية تتميز بشيء من التعقيد  القانوني – شأن النزاعات البحرية للدول المتجاورة –، ولطبيعتها المتعلقة بالموارد الطبيعية المكتشفة في المنطقة المتنازع عليها، مما يعطي الأزمة طابعا اقتصاديا، بالإضافة إلى الخلاف الدبلوماسي الأخير بين البلدين جراء الأزمة.

وستناول هذه الدراسة عددا من المحاور التي تضم ما يلي:

أولا: طبيعة الأزمة وامتدادها

ثانيا: المعركة القانونية

ثالثا: أوراق الضغط

رابعا: السيناريوهات المحتملة

  

تمهيد:

وصلت العلاقات الكينية الصومالية إلى أسوء مستوياتها منذ عقود، وذلك على خلفية تعثر محاولات التوصل إلى حلول مرضية لكلا الطرفين في كيفية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وتضررت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل بالغ، وصلت لحد استدعاء السفراء وتبادل الاتهامات ووقف تنفيذ الاتفاقيات، وسنعرض في السطور القادمة طبيعة الأزمة والمراحل الزمنية التي مرّت بها.

 

أولا: طبيعة الأزمة وامتدادها:

تتمثل الأزمة في خلاف البلدين بشأن ترسيم الحدود البحرية بينهما وتعارض رؤيتيهما حول المسألة، حيث تبدو كينيا متمسكة بتحريف مسار الخط البحري الفاصل بين الدولتين، ليصبح أفقيا بمحاذاة خط العرض من نقطة الحدود البرية ب

ين الدولتين، الأمر الذي ترفضه الصومال باعتباره تعديا على حدودها وانتهاكا لسيادتها، محتجة بأن الخط الفاصل عمودي يتجه إلى جنوب الشرق بامتداد الساحل البري، وتتخذ المنطقة المتنازع عليها شكلا مثلثا قطره حوالي 38 ألف كيلومتر .

وترتبط الأزمة باكتشاف النفط والغاز في المنطقة مؤخرا، حسب شركات التنقيب الأوربية التي اكتشفت ثمانية مواقع معدّة للتنقيب عن النفط قبالة الساحل، وتوجد سبعة من تلك المواقع في المنطقة المتنازع عليها، وقد منحت الحكومة الكينية تراخيص تنقيب أربعة من تلك المواقع لشركات، هي: “توتال” الفرنسية، و”أنادركو” الأميركية، و”إني” الإيطالية.

 

الامتداد الزمني:

مذكرة التفاهم

مذكرة التفاهم

بدأت قضية الحدود البحرية تظهر إلى العلن عندما توصلت الحكومة الكينية في عام 2009م إلى مذكرة تفاهم مع الحكومة الصومالية حول تمديد الجرف القاري بين البلدين، ادّعت فيها التوافق على تسوية نزاع الحدود ودّيا بالمفاوضات، رغم ذلك رفض البرلمان الصومالي التصديق على المذكرة، وتعقّدت الأمور عندما أصرّ الجانب الكيني على موقفه مدّعيا سيادته على المنطقة المتنازع عليها، ومنحه تراخيص التنقيب لشركات أوروبية، وتجاهله للمطالب الصومالية بوقف التنقيب، ما ألجأ الحكومة الصومالية لمطالبة الدول المسؤولة عن الشركات رسميا بالوقف الفوري لأعمال التنقيب.

إعلان رئاسي

وبعد تعثر المفاوضات بين الطرفين قدمت الصومال دعوى رسمية إلى محكمة العدل الدولية ضد كينيا في أغسطس 2014م، في حين رفضت كينيا ذلك مدّعية عدم اختصاص المحكمة بالأمر، وأن المسألة تخضع للمفاوضات الودية بينهما، ورغم ذلك قررت المحكمة ردّ المزاعم الكينية،

 وقضت بأحقيتها بالنظر في الشكوى والبتّ فيها، واستمعت لمرافعة ممثلي البلدين في 2016م، ومن المنتظر أن تصدر المحكمة قرارها النهائي في سبتمبر 2019م.

تأتي الخطوات الأخيرة من قبل الجانب الكيني تأكيدا لرفض الموقف الصومالي المتمسك بإجراءات المحكمة الدولية، ومحاولة لفرض واقع ضاغط قد يؤثر على السياسة الصومالية ويدفعها للتنازل عن الدعوى، بينما اقتصر الردّ الصومالي على إصدار البيانات بلغة دبلوماسية هادئة، دون مجاراة للخطوات التصعيدية من قبل كينيا.

 

ثانيا: المعركة القانونية:

تتمحور الأزمة الحدودية بين كينيا والصومال حول الخط البحري الفاصل واتجاهه عموديا أو أفقيا بمحاذاة خط العرض من نقطة التقاء الحدود البرية، وهي ضمن المنطقة التي تسمى في القانون الدولي بـ “المنطقة الاقتصادية الخالصة” في حدود 200 ميل بحري، وهي “منطقة بحرية تمتلك الدولة عليها حقوقا خاصة بشأن استكشاف الموارد البحرية واستخدامها”، ويعتبر القانون الدولي للبحار الصادر في 1982م الفاصل في مثل هذه النزاعات بين الدول الساحلية التي وقعت على القانون، وبما أن كلا من كينيا والصومال وقعتا على القانون فإنه يعتبر ملزما لهما، وعلى هذا الأساس سننظر في ادعاءات كلا الطرفين القانونية ومدى تطابقها مع القانون الدولي للبحار.

  • الموقف الصومالي:

بالاستناد إلى القانون الدولي للبحار يرسم الصومال حدوده البحرية وفقا لما يلي:

  • المادّة 4 والمادّة 5 من القانون الدولي للبحار بشأن حدود البحر الإقليمي للدولة الساحلية، وهي كما يلي:

“المادة 4: الحد الخارجي للبحر الإقليمي هو الخط الذي يكون بُعد كل نقطة عليه عن أقرب نقطة على خط الأساس مساويا لعرض البحر الإقليمي.”

“المادة 5: باستثناء الحالات التي تنص فيها هذه الاتفاقية على غير ذلك خط الأساس العادي لقياس عرض البحر الإقليمي هو حد أدنى الجزر على امتداد الساحل كما هو مبين على الخرائط ذات المقياس الكبير المعترف بها رسميا من قبل الدولة الساحلية.”

ومن هذا المنطلق ترسم الصومال حدودها بامتداد الساحل البري أفقيا بمحاذاة خط العرض نحو جنوب الشرق.

  • المادة 57 حول عرض المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهي كما يلي:

“لا تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى أكثر من 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي.”

وبالتالي يجب أن يكون الحدّ البحري الفاصل ممتدّا من نقطة الحدود البرية بين كينيا والصومال حتى 200 ميل بحري، وبذلك يتجه أفقيا نحو جنوب الشرق بمحاذاة الخريطة الجغرافية، وبدون ذلك ستخسر الصومال بعضا من مياهها الإقليمية ومنطقتها الاقتصادية الخالصة.

  • الموقف الكيني:

يرتكز الموقف الكيني إلى نقطتين أساسيتين لتبرير مطالبه، وهي كما يلي:

  • مذكرة التفاهم المبرمة بين الدولتين: تحتج كينيا بهذه المذكرة التي عقدتها مع الحكومة الصومالية في 2009م على أن هناك تفاهم حول الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وأن الصومال تجاهل المعايير الدولية بلجوءه إلى محكمة العدل الدولية مع إمكانية حلّ النزاع ودّيا، وفي ضوء هذه المذكرة ترى الحكومة الكينية أن المحكمة الدولية غير مختصة بالنظر في النزاع.

وتعتبر المذكرة غير مجدية لسببين:

  • أنها غير مخصوصة بترسيم الحدود البحرية: ورد في المذكرة أن كلا الدولتين تتعهدان بعدم الاعتراض على بعضهما فيما يتعلق بالطلبات المقدمة إلى لجنة حدود الجرف القاري في الأمم المتحدة، وذلك دون المساس بترسيم الحدود البحرية في المستقبل، بينما يمكن لكل دولة أن تقدم تقريرها الذي قد يشمل المنطقة محل النزاع دون اعتبار لترسيم الحدود البحرية بينهما، وتقرر بموجب المذكرة أن تقديمات اللجنة الأممية لن يؤثر على النزاع البحري بينهما.
  • إلغاؤها من قبل البرلمان الصومالي: ورغم ما سبق فإن البرلمان الصومالي ألغى المذكرة، وتم إخطار الأمم المتحدة بأن المذكرة ملغاة ولا يتم العمل بها، وبذلك لا يبقى أيّ أثر للمذكرة يمكن الاحتجاج بها.
  • قضية جوبالاند: أثار بعض الأكاديميين الكينين هذه القضية عبر برنامج تلفزيوني زعموا فيه أن جوبالاند تقع ضمن إقليم “انفدي” قبل أن يمنحها المستعمر البريطاني للمستعمر الإيطالي الذي ضمّها إلى الصومال في 1924م، وبذلك تكون منطقة النزاع البحري محسومة لصالح كينيا، وصرح بذلك أيضا الرئيس الكيني في مناسبة قديمة، ورغم أن هذه ليست مزاعم رسمية تحتج بها كينيا لدى المحكمة الدولية إلا أنها تعتبر هاجسا لدى النخبة الكينية.

وهذه القضية كذلك ضعيفة التأثير ومفتقرة إلى المصداقية التاريخية، إذ سبق أن تدهورت العلاقات الكينية الصومالية بسبب إقليم “انفدي” الذي يقطنه صوماليون، وتم تسوية النزاع بعد سنوات من التوتر والحشد العسكري، بعد أن اعترف الصومال بتبعية الإقليم لكينيا رسميا، وهذا يقطع الطريق أمام المطامع الكينية التوسعية.

 

ثالثا: أوراق الضغط:

مرّت عشر سنين على مذكرة التفاهم المبرمة بين الحكومتين، تلك التي شكلت خيط البداية لسلسلة الخطوات التي انتهت إلى أبواب محكمة العدل الدولية، ونشهد اليوم أبرز تطوراتها مع قرب انعقاد الجلسة الأخيرة لمحكمة العدل الدولية في سبتمبر القادم، ولكي نستشرف الاحتمالات والسيناريوهات القادمة لا بد من تقييم شامل لأوراق القوة التي قد تحسم القضية لصالح أحد الطرفين قبل صدور قرار المحكمة الدولية في السطور التالية:

  • تعوّل كينيا كثيرا على نفوذها السياسي في الإقليم عموما وفي الصومال خصوصا، التي تعاني جملة من المشاكل الداخلية نتيجة ضعف الدولة الفدرالية، ويتمثل هذا النفوذ في النقاط التالية:
  • القوة الكينية المشاركة في قوات أميصوم لحفظ السلام: تتمركز هذه القوة بشكل رئيسي في ولاية جوبالاند المتاخمة لحدودها، وتمارس نفوذا سياسيا في تلك الولاية.
  • التحالف الاستراتيجي مع دول الإقليم: ترتبط كينيا بعلاقات استراتيجية مع دولتي إثيوبيا وأوغندا اللتان تلعبان دورا رئيسيا في السياسة الصومالية.
  • إيواء مكاتب الهيئات والسفارات الأجنبية في الصومال: تعدّ نيروبي مركزا لمعظم الهيئات والسفارات الأجنبية العاملة بالصومال، بسبب الظروف الأمنية بالعاصمة مقديشو، وبهذا تظل كينيا مؤثرة في المشهد السياسي الصومالي.
  • وجود عدد من السياسيين الصوماليين الذين يحملون الجنسية الكينية: بالإضافة إلى أن كثيرا من رموز السياسة الصومالية يتخذون من نيروبي مقرا لهم ولعوائلهم، مما يعتبر ورقة ضغط بيد الحكومة الكينية، فبإمكانها سحب الجنسية منهم أو تجميد أرصدتهم في بنوكها أو منع سفرهم بحكم كونهم مواطنين.
  • ملف اللاجئين الصوماليين في كينيا: قرابة نصف مليون لاجئ صومالي في مخيمات داخل كينيا يمثلون حجر زاوية في السياسة الاقتصادية الكينية، فهي تحصل على الدعم الأممي وهيئات حقوق الإنسان من أجل ذلك، وفي الوقت نفسه يعدّ الملف ورقة ضغط كينية لابتزاز الصوماليين وإعادتهم إلى بلادهم للضغط على الحكومة الصومالية.
  • في موازاة ذلك تمتلك الصومال العديد من الأوراق المهمة، والتي قد تلعب دورا حاسما في ترجيح الكفة لصالحها، وهي كما يلي:
  • قوة الوثائق والمستندات التي قدّمها النائب العام الصومالي إلى محكمة العدل الدولية، والتي تستند إلى القانون الدولي للبحار.
  • تجارة القات التي تدرّ أموالا بملايين الدولارات على كينيا من المستهلكين الصوماليين، وذلك يعدّ رافدا مهما من روافد التجارة في كينيا، ولو قررت الصومال وقف استيراد القات الكيني ليوم واحد سيتأثر الاقتصاد الكيني حتما بشكل بالغ.
  • مكاتب الهيئات الأممية وسفارات الدول الأجنبية الخاصة بالصومال في نيروبي، وكذلك عشرات المؤتمرات المتعلقة بالصومال التي تستضيفها نيروبي تعدّ مصدرا مهما من مصادر الدخل لدى كينيا، وفي حال قررت الصومال نقل هذه المكاتب لعاصمتها أو إلى إحدى العواصم الإقليمية الأخرى فسيؤثر ذلك على الاقتصاد الكيني بشكل كبير.
  • القوة الكينية المشاركة في بعثة “أميصوم” تعدّ عاملا اقتصاديا إلى جانب كونها ذراعا سياسيا للحكومة الكينية، تساعدها على تنفيذ أجندتها الاقتصادية في ولاية جوبالاند الصومالية، ولكونها تتمركز في مواقع حيوية داخل العاصمة مقديشو كالمطار ومقرات الدولة الرئيسية، إضافة إلى الدعم الدولي في برنامج مكافحة الإرهاب، وإيقاف نشاط هذه القوة داخل الصومال سيكون له بالغ الأثر على الاقتصاد الكيني.
  • سوق “إسلي” الذي يعدّ أكبر سوق تجارية في نيروبي يسيطر عليه الصوماليون، ويطلق عليه “مقديشو الصغيرة” تعبيرا عن هيمنة الصوماليين عليه، قد يتأثر بتدهور العلاقات بين البلدين إذا تطور الأمر لصراع قومي.

وأخيرا لا يبدو الطرف الصومالي بحاجة إلى استخدام أوراق متعددة في ظل رجحان كفته القانونية التي تمكّنه من الفوز، بينما يسابق الكيني الزمن من أجل الوصول إلى حلّ قبل النطق بقرار محكمة العدل الدولية المرتقب، وهو الأمر الذي يلزمه باستخدام كافة الأوراق المتاحة لتحقيق هذا الغرض، ورغم أن الزمن ليس لصالحه إلا أن وضع الصومال المنهك سياسيا واقتصاديا قد يقلب الأمور لصالح كينيا خصوصا إذا تدخلت أطراف إقليمية لمصلحتها.

 

رابعا: السيناريوهات المحتملة:

هناك أكثر من سيناريو متوقع للأزمة حسب الظروف والمعطيات الراهنة بالنسبة للمراقبين ومحللي العلاقات الدولية وخبراء القانون، وذلك انطلاقا من قرار محكمة العدل الدولية المرتقب بشأن ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ولعل أبرز هذه السيناريوهات ما يلي:

السيناريو الأول: التصعيد والمزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين في حال حسمت المحكمة الدولية لصالح الصومال -كما هو متوقع-، وتبنّي الدولة الكينية لسياسة الانتقام نظرا لتكبدها خسائر اقتصادية كبيرة بسبب تعاقدها مع شركات تنقيب أوروبية، وقد تتطور الأزمة للمقاطعة الدبلوماسية وتعليق التعاون في كافة المجالات.

ويؤيد ذلك الاحتقان الشعبي في كلا البلدين تجاه المسألة، وحدة اللهجة المستخدمة في الحديث عن الموضوع بالنسبة للساسة والزعماء الكينيين، بالإضافة إلى الخطوات التصعيدية من قبل كينيا مؤخرا، مما يضيق الخيارات على الطرف الكيني الذي سيتعرض لمعارضة داخلية شرسة بسبب ذلك، ويدفعه لتصعيد الأزمة في محاولة للمراوغة على الصعيد الداخلي.

وفي حالة حسم المحكمة لصالح كينيا أو تبنّيها لحل وسطي غير مرضٍ للطرف الصومالي فإنه من غير المتوقع أن تعارض الصومال القرار نظرا لكونها صاحبة الدعوى، ولعدم قابلية القرار للطعن حسب القانون الدولي للبحار، ولكن من المتوقع أن تسعى لإشراك أطراف إقليمية في محاولة لإيجاد مخرج من الأزمة التي ستكون شديدة التأثير عليها داخليا، ولا يتوقع منها التصعيد الدبلوماسي أو السياسي كما هو حال كينيا.

السيناريو الثاني: سحب الدعوى المقدمة للمحكمة من قبل الصومال قبل صدور القرار النهائي في سبتمبر القادم، وتهدئة الأزمة بوساطة إقليمية أو دولية، مقابل امتيازات سياسية للحكومة الفدرالية في الصومال ومساندتها في صراعها الداخلي مع أمراء الأقاليم الفدرالية.

وقد يعزز ذلك سياسة الاستقواء بالخارج التي تبناها الرئيس الصومالي لسدّ المنافذ على الأقاليم الفدرالية كما صرح به في لقاء سابق، ولجوء الحكومة إلى القوات الإثيوبية لاعتقال الشيخ روبو -أحد مرشحي الرئاسة في إقليم جنوب غرب الصومال-.

ومن الممكن أن تلعب الدول الإقليمية دورا في تحقيق هذا السيناريو نظرا للتأثير الإقليمي المباشر على الصومال، واعتبارا لمصالح تلك الدول مع كينيا التي ترتبط معها بعلاقات قوية تحكمها المصالح الاقتصادية، ولعل إثيوبيا مرشحة للعب هذا الدور لكونها شريكا أساسيا لكلا الطرفين، ولدورها في تهدئة الخلاف الدبلوماسي الأخير بين البلدين.

غير أن بعض المحللين يستبعد هذا السيناريو في ظل الغضب الشعبي ضد سياسة كينيا التوسعية، وتعويل الحكومة على شعبيتها التي تراهن عليها في صراعاتها الصفرية مع قوى المعارضة، خصوصا مع تورطها في قضية قلب طكح الشهيرة قبل سنتين، مما يضعها أمام اختبار صعب لا يمكنها تخطيه بسهولة.

السيناريو الثالث: رضوخ جميع الأطراف لحكم المحكمة الدولية وعودة العلاقات إلى طبيعتها بعد الخضوع للأمر الواقع وتدخل الأطراف الإقليمية، وهذا يفتح الباب لمزيد من الأزمات والضغوط على كلا الدولتين من المعارضة في الداخل.

ورغم أن الواقع السياسي في كلا البلدين اليوم لا يشير إلى حدوث هذا السيناريو إلا أنه يبقى احتمالا واردا وقد يكون الأوفر حظا بالنسبة لما تقتضيه المصالح الدولية والإقليمية، التي ستلعب دورا رئيسيا في تهدئة الأزمة لحماية مصالحها الاقتصادية.

مهما يكن من أمر فإن من المؤكد أن يظل تأثير الأزمة وارتداداتها العكسية يحكم المشهد السياسي في المنطقة لسنوات عديدة، وقد يؤدي إلى عاصفة سياسية تعقّد الأمور كثيرا بالنسبة لإحدى الدولتين أو لكليهما.

 

وختاما ..

وفقا للمعطيات السابقة يتجلى بوضوح أن الأزمة ليست مسألة حدودية فحسب بقدر ما هي صراع على المخزون النفطي المكتشف في المنطقة، وهو ما يضع العلاقات الصومالية الكينية رهنا للتجاذبات الدولية والإقليمية للسيطرة على الموارد، ويطيل من أمد الأزمة التي لا تبدو أنها في طريقها للحل رغم أنه يفترض أن يكون قرار المحكمة الدولية هو الفيصل في القضية.

إن منطق الجوار يقرر عودة العلاقات الصومالية الكينية إلى طبيعتها لمصلحة البلدين في المقام الأول، ولمصالح شركاء المنطقة والجهات المعنية باستقرارها، ومن المؤكد أن الأزمة الحالية أحدثت شرخا في النسيج الاجتماعي على مستوى الشعبين الكيني والصومالي، وخلقت شعورا بعدم الثقة بينهما، وهذه الحالة غير قابلة للاستمرار في ظل الارتباطات التجارية والاجتماعية التاريخية بين الشعبين، وينبغي على القيادة السياسية في كلا البلدين التوصل إلى حلول مرضية للطرفين قائمة على تحقيق المصالح ومراعاة حسن الجوار وخلق أرضية خصبة للاستثمار المتبادل والتعاون من أجل مستقبل أفضل لمنطقة القرن الإفريقي.

 

 المراجع:

  • اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الصادرة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 3067، في جنيف عام 1982م.
  • موجز تنفيذي حول تقديم الجرف القاري لجمهورية الصومال الفيدرالية الصادرة من جمهورية الصومال الفيدرالية.
  • قانون البحر الإقليمي للصومال، قانون رقم 37، الصادر في 10 سبتمبر 1972م.
  • القانون البحري الصومالي، قانون رقم 5، الصادر في 26 يناير 1989م.
  • إعلان رئاسي حول توضيح حدود الصومال البحرية ومنطقتها الاقتصادية الخالصة موقع من قبل الرئيس الصومالي السابق حسن شيخ محمود في 30 يونيو 2014م.
  • وثيقة مرفقة بالإعلان الرئاسي تبين الحدود الخارجية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للصومال وذلك عبر نظام الإحداثيات الجغرافية الذي يحدد بدقة نقاط الخط البحري، وهي مؤرخة بنفس تاريخ الإعلان الرئاسي.
  • بيان معنون بـ “إخطارات المنطقة البحرية” صادر من شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار، مكتب الشؤون القانونية في الأمم المتحدة، حول إيداع الجمهورية الصومالية الفيدرالية لقائمة الإحداثيات الجغرافية للنقاط، بتاريخ 3 يوليو 2014م.
  • مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومتي كينيا والصومال المتعلقة بضمان عدم الاعتراض على بعضهما في تقديم الجرف القاري للجنة الأمم المتحدة، في السابع من أبريل 2009م.
  • مذكرة توضيحية معنونة بـ “خطة عمل متكاملة للعودة المستدامة وإعادة إدماج اللاجئين الصوماليين من كينيا إلى الصومال” صادرة في 2016 – 2017م.
  • النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا .. من سيكسب القضية؟ تقرير صادر من مركز مقديشو للبحوث والدراسات بتاريخ 14 سبتمبر 2014م.
  • الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا: قراءة في الخلفيات واستشراف المآلات، تقرير للكاتب عبدالرحمن عيسى منشور في موقع مركز الصومال للبحوث ودراسة السياسات، بتاريخ 25 مارس 2019م.
  • البعد التاريخي للنزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا، مقال للكاتب عمر محمد معلم حسن، منشور في موقع مركز مقديشو للبحوث والدراسات، بتاريخ 4 فبراير 2019م.
  • أزمة دبلوماسية بين كينيا والصومال، سحابة عابرة أم بداية قطيعة، مقال للكاتب محمد أبتدون، منشور في موقع وكالة الأناضول للأنباء بتاريخ 19 فبراير 2019م.
  • الأسباب الاقتصادية للتدخل الكيني في جنوب الصومال، تقرير للكاتب عبدالله عبدالقادر، منشور في موقع مركز الجزيرة للدراسات، بتاريخ 22 نوفمبر 2012م.

عن إبراهيم عبدالقادر محمد

باحث صومالي مهتم بالدراسات المتعلقة بالشأن الصومالي وشؤون القرن الإفريقي

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x