التدابير الوقائية لتقليل وقوع الجرائم في المجتمع الصومالي

منير عبد الله الحاج عبده، باحث رقمي ومصلح اجتماعي

تمهيد:

في الآونة الأخيرة وفي النصف الأول من عام  2019م، اننتشرت حوادث مؤلمة في أوساط الشعب الصومالي ، في المهجر أو الوطن الحبيب، وهذه الحوادث من أبشع صوره إرهاق الأنفس والأرواح، ومواقع وسائل التواصل الاجتماعي تنشر الأخبار المحزنة، والقصص المبكية حيال الدواهي صباح مساء، وتدخل الفاجعة في كل بيت صومالي بنقرة الشاشات الذكية، فهناك من قتل زوجته في أمريكا، أو في شيخ، وشاب غدر زميله في ميابلس ولندن، وطالب اغتال رفيقه في محيط المدرسة في هيران،  وأسرة من أطفال وأمهم أبيدت ثأرا  وهلم جرا، ومصيبة  الضحية عائشة في جالكعيو  فاقت الحسابان ،وهزت الوجدان .

 وفي الجانب الآخر الاغتيالات السياسية، والتفجيرات الإبادية تتوالى وتجري على قدم وساق، وحوادث قتل الجنود  المارّة في تقاطعات المدن ،وأصحاب السيارت والباصات الطلابية كثيرة، ولعلّ آخر حدث إصابة الزّميل الدّكتور الطّبيب عبد الحليم برصاص جندي في إحدى شوارع مقدشو أدعو الله له الشفاء العاجل والعمر المديد ، وقتل سائقي الركشات في واضح النهار،وما رافقها من مظاهرات واحتجاجات في ولاية بنادر ،كلّ هذه الحوادث والفجائع تستوجب البحث عن الظاهرة، وكيفية الحدّ من انتشارها، وحلّها عن طريق التدابير الوقائية والزجريـــــّة، وقد وضعت منشورا في  صفحتى ما القاسم المشترك  في تيك القضايا؟ واختلفت إجابات المتابعين فمنها( الأنانية وسوء التربية- إهمال التربــية – ضعف الوازع الدّيني – غلوّ في الدّين- الجشع –المراهقة -الجهل – الفقر-أمراض نفسية –عدم فهم العقوبة المترتبة عن الجريمة)،

من المتّفق عليه نقلا وعقلا ،أنّ هناك تدابير وقائية لصيانة المجتمع المسلم عن وقوع الجرائم وتهذيب سلوك الفرد ليعمّ المحبّة والسلام بين الأمّة، وتوجيه النفوس المريضة إلى الصواب والرشد،وإن حصل المكروه فهناك التدابير العقابية للزجر وقطع دابر المفسدين ،فمن التدابير بصورة مختصرة مايلي:

أولا:التدابير التربوية

  • تربية النفس بالإيمان والتقوي

الإيمان يغرس في الأنفس الفضائل ويجنبها عن الرذائل والجرائم ، فترسيخ  الإيمان في الفرد ،وتربيته على العقيدة الصحيحة تجعله مسالما وشخصية ناجحة في الحياة، وفي الحديث الصحيح: “الْمُسْلِمُ مَنْ سَلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ” فالجوارح تهدء بما وقر في الجنان من الإيمان الصحيح، وقد أنقذ التوحيد أمما كانت تصول وتنهب الغريب والقريب، وتغير على الناس صباح مساء،وأصبحوا دعاة خير وسلام، وعند نزاعهم والخصومة تفصل بينهم بالمحاكم والقضاء لاحدّ السيف والثارات ،(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) النور:51،                     واليوم  في العصر الحاضر  نرى نزلاء السجون وأصحاب المخدرات  في الغرب يتمّ اعادة تأهيلهم بالدعوة الى الله  عز وجل ،فإن أسلموا تركوا طوعية كل ما يضرّ المجتمع بدون خوف من شرطي أو عسكر،

  فالإيمان  والتوحيد كفيل بذالك إن وقر في القلب يصدّقه العمل واللسان .

والتقوى من ثمرات الإيمان الصحيح، وتجعل الفرد صالحا في نفسه ومصلحا في مجتمعه  وهي كلمة جامعة بامتثال الفرد بالمأمورات والاجتناب عن المنهيات ،وهي من أعمال القلوب فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:” لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ”  رواه البخاري ،والتقوي عنوان الفضيلة ومقياس التفاضل  والتكريم :- (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات :13،

  • التزكية والتوجيه المعنوي من أهم مجالات العمل الدعوي المهجورة ،فعلى الوالدين والمربي الناجح والمؤسسات التربوية والإدارية توجيه الطفل في الصغر واعتماد التزكية كمادة أساسية في كلّ مراحل الحياة لغرس الفضيلة، وتخلية النفس من الوسائس والنزعات الشيطانية ، حتى الكبار لايستغنون عن عقد الدورات ، وورشات العمل في التعامل الراقي مع الآخر، واكتساب الخلق الحسنة وملازمتها في كل ظروف الحياة حتى لا ينجر أحد الى الوقوع في الإثم والجرائم عند ضغوطات العمل واحتدام معارك الحياة .

ثانيا :التدابير الاجتماعية

1– العلاقات الاجتماعية وإرساء المحبّة:

الإنسان لا يستطيع العيش لوحده، بل يعيش مع المجتمع  والكيان المحيط به ، والتقاليد الباطلة والأعراف البائدة قد تترسخ في النفوس  فلابد من اختيار الرفقة الصالحة والبيئة السليمة ، فالعلاقة بين المؤمنين علاقة ودية تسودها المحبة والتكامل ،ويحرم فيها كل ما يسبب المضرة والشقاق بين المسلمين، وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”

 فالأخوة الاسلامية صمام الأمان للمجتمع، وتطبيق ذالك فعليا عين الاستقرار والوئام والسلام المنشود.

2- التكافل الاجتماعي:

 الفجوة بين أفراد المجتمع في الدخل والاقتصاد من عوامل انتشار الجرائم والفساد ، وقد شرع الزكاة لتسدّ حاجات الفقراء والمساكين وتضييق الفوارق بين الغني والفقير،  وقد بين المصطفى  صلى الله عليه وسلم بقوله ” تؤخذ من اغنيائهم وترد على فقرائهم” وفي الأموال حقوق كثيرة سوى الزكاة، ونظام النفقات بين أفراد الأسر من الواجبات التي فرضها الإسلام على الموسع المقتدر ،وصلة الأقارب والأرحام من أحسن الكفالات والرعاية الاجتماعية  في العالم ، وقد حث الإسلام على ذالك، وورد الوعيد الشديد للقاطع والمضيع لنفقات الرعية  حتى لايكون هناك خلل في المجتمع وضرر في التعايش السلمي بين أفراده.

3– أخذ الحيطة ومنع ترويع الآمن :

من التدابير الوقائية أخذ الحيطة،ومنع سبل الإجرام بجميع أشكاله، وقد نهى الإسلام الإشارة بالسلاح تجنبا من الترويع للآمن  وإيئذاء الناس عند الانفلات، وبعد انتشار السلاح في الصومال تري العجب العجاب حيث اشارة السلاح بالناس أصبحت ظاهرة منتشرة في الأسواق والشوارع والأماكن العامة مع أن صمام الأمان مفتوحة في البنادق ، فانتشر القتل بالرصاص لتوفر الأسباب المفضية اليه ، وفي البخاري في حديث جابر  بن عبد الله قال:  مرّ رجل بسهام في المسجد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :” امسك بنصالها ” قال نعم ” فهذا في السهام التي تخدش فما بال الرصاص التي تفتك بالأجسام وتزهق الأرواح، وقد ورد الوعيد واللعن بحامل السلاح المشير بالناس ففي مسلم عن ابي هريره رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :” من أشار بيده إلى إخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لابيه وأمه “

ثالثا: التدابير العقابية

  • تنفيذ القصاص

حرم الاسلام القتل والوسائل المفضية اليه ،وورد وعيد شديد للقاتل ، ومع هذه التدبير قد يقع المجرم في الجريمة، فشرع الإسلام القصاص حتى لا تكرر الجرائم ، والعناية بحياة الناس حيث المخافة من القصاص تردع كلّ من أراد ارتكاب الجريمة ،قال تعالى :” وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” البقرة:179.

2-إقامة الحدود الشرعية  علانية وهي رحمة للمجتمع وردع  للمجرم،والشبهات المثارة حولها ما هي الا سفسطات  ودعاوى باطلة وتقليد للغرب وتشبه به ،لينتشر الانحلال والمسكرات في المجتمع المسلم ، ولا تقام الحدود ولا يستوفى القصاص الا بيد السلطة العليا وبحكم حاكم المسلمين حتى لا يسفك الدماء وتنشر الفوضى والثأر  في أوساط الشعب والمواطنين .

عن منير عبدالله الحاج عبده

باحث وأكاديمي

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x